أنتم تلاحظون أن الإنسان كلما ارتقى علمه تضيق عليه الممرات، فالطبيب مثلًا عنده طريقة للتعقيم لا بدَّ منها، والعلم كلما ارتقى لا بدَّ من أن يعقِّم هذه الأداة، وهذا المشرط، حتى أن العمليات الجراحية الكبيرة الآن تقريبًا تجرى في العالم كله بطريقة واحدة، وهذا أكمل شيء، فالإنسان بعد أن عرف الله عزَّ وجل يأتيه أمره وهو الكمال المطلق، والعدل المطلق، كما قال بعض العلماء:
الشريعة عدلٌ كلها، ورحمةٌ كلها، ومصالح كلها، فإذا خرج التأويل ـ تأويل الشريعة ـ من العدل إلى الجور، أو من المصلحة إلى خلافها، أو من الرحمة إلى القسوة، فهذا ليس من الشريعة، ولو أدخلت عليها ألف تأويل وتأويل.
علامة معرفة الله عزَّ وجل طاعتك له:
شرع الله، كماله مطلق، وعدله مطلق، ليس هذا كلام البشر، بل كلام خالق البشر، كلام الصانع، الخالق، المدبِّر، المربي، الخبير، العليم، الغني، القدير.
إذًا حينما تتردد في تنفيذ أمر الله عزَّ وجل فأنت لا تعرف الله أبدًا، أما حينما تعرف الله معرفةً بالقدر الذي يكفي لطاعته فإنك تبادر مباشرةً إلى تنفيذ أمر الله عزَّ وجل، إذًا ضع في ذهنك أنك مخير في أن تسلك طريق الإيمان أو أن لا تسلك، وإذا سلكت طريق الإيمان ولست مخيرًا أن تنفذ أو أن لا تنفذ، فمن لوازم الإيمان الطاعة، بل إن علامة معرفة الله عزَّ وجل طاعتك له، إذًا:
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36) }
هناك ضلال بعيد، وهناك ضلال مبين، أي أن شيئًا واضحًا بيّنًا كالشمس حِدتَ عنه، فهذا ضلال مبين، وعلى كلٍ فهذه الآية نزلت لأسباب، وهي: