الحقيقة أن الصبر، ولا أبالغ إذا قلت: الإيمان كلُّه صبر، لماذا؟ لأنك في الأصل أنت مكلَّف، والله عزَّ وجل فطرك فطرةً معيَّنة، وجَبَلَكَ جبلَّةً خاصَّة، وجعل التكليف يتناقض مع الجبلَّة، لا مع الفطرة، فمثلًا: هذا الجسد يحبُّ أن يبقى نائمًا في الفراش، فيأتي التكليف بأن تستيقظ لصلاة الفجر، فالاستيقاظ مناقضٌ لحبِّ الراحة والاسترخاء ..
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء} .
(سورة آل عمران الآية: 14) .
أُودِعَ في قلب الإنسان حُبُّ المرأة، فيأتي التكليف بغضِّ البصر، وأُودِعَ في الإنسان حبِّ المال فيأتي التكليف بإنفاق المال، وأودع في الإنسان الهَلَعَ يأتي التكليف بالصبر، أودع في الإنسان حبُّ الحديث المُمْتِع، جاء التكليف الكَفِّ عن الغيبة والنميمة، فلو تتبَّعت أوامر الله كلَّها لوجدت أنها مكلفة مجهدة، تحتاج إلى إرادة، وتصميم، وعزيمة، فيكفي أن يسهو الإنسان، وأن ينساق مع شهوته حتى يصبح من أهل النار، وهكذا قال عليه الصلاة والسلام:
(( أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ، ثَلاثًا، أَلا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ) ).
[من مسند أحمد: عن ابن عبَّاس]
أي أن تنساق مع حظوظ نفسك، وأن تتحدَّث كما تريد؛ من دون رقابة، وانضباط، وأن تأكل ما تشتهي، وتنظر حيثما تشاء، فإطلاق البصر، وإطلاق الأذن لسماع ما تحب، واللسان، واليد، والرجل، والتعليق، والكلام، وممارسة الشهوات ـ (( إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ـ سهوةٌ واحدة، أو غفلةٌ واحدة، ينساق الإنسان وراء شهواته ـ إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ) )، فطريق الجنَّة محفوف بالمكاره ..
(( حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ ) ).
[من صحيح مسلم: عن أنس بن مالك]