والحقيقة هذه الآية دقيقة جدًا، ما منا واحد إلا ويريد شيئًا، وهذه الإرادات المتنوِّعة على كثرتها، وعلى تباينها، وعلى تنوِّعها، يمكن أن توضع في حقلين كبيرين، إما أن تريد الله ورسوله والدار الآخرة، وإما أن تريد الدنيا وزينتها، الآن اجلس إلى إنسان يريد الدنيا وزينتها، كأنه ليس معك، فأنت تحدثه عن الله عزَّ وجل، عن كتابه، فيجيبك: كم الساعة الآن معك، هل تعرف أن الشيء الفلاني ارتفع ثمنه، هل تدري بذلك؟ تجد أنك في واد وهو في وادِ، هو في الأسعار، والتجارات، والأرباح، والصفقات، والبيوت، وأنت في معرفة الله والدعوة إليه، فلو أنك التقيت مع من يحب الدنيا وزينتها تجد الطريق إلى قلبه مسدودًا، حبك الشيء يُعمي ويصم، قلبه مصفَّح بحب الدنيا، ومهما أثرته، مهما تحدثت عن الله، مهما ذكرت له قصةً يذوب لها قلب الرجل المؤمن، لكن هذا لا يتأثر بل، يؤلمه غلاء الأسعار ويفرحه رخصها، يؤلمه أن يخسر ويفرحه أن يربح، أما أن يفرح بمعرفة الله ورضوانه وطاعته فهذا بعيدٌ عنه، فلذلك على الرغم من أن الإنسان له إرادات كثيرة جدًا، كل هذه الإرادات يمكن أن تصب في حقلين اثنين ..
{إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا (28) } .
طبعًا إذا طلب الإنسان الحياة الدنيا بأساسياتها، هذا مقبول منه، طلب الزواج، هذا شيء أودعه الله بالإنسان، فطري، أساسي، طلب مأوى يسكن فيه، طلب مورد رزق، طلب ذرية صالحة، هذه كلها طلبات معقولة لا تنتمي إلى حب الدنيا.
أما الذي يطلب الشيء الفخم الغالي ليزهوَ به على الناس، وأن يتيه على الناس بما عنده، كما فعل قارون:
{فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} .
(سورة القصص: من الآية 79)