ومضيت أتسلَّل في جنح الظلام حتى دخلت في جند المشركين، وصرت كأني واحدٌ منهم، وما هو إلا قليلٌ حتى قام أبو سفيان فيهم خطيبًا، وقال: يا معشر قريش، إني قائلٌ لكم قولًا أخشى أن يبلغ محمَّدًا، فلينظر كل رجلٍ منكم من جليسه ـ تفقَّدوا جيرانكم ـ فما كان مني إلا أن أخذت بيد الرجل الذي كان عن جانبي، وقلت له: من أنت؟ فقال: فلان بن فلان ـ لأنه لو سكت لكان الآخر سبقه، وصارت مشكلة، فالمؤمن ذكي، كيِّس، الله يلهمه الصواب ـ قلت له: من أنت؟ قال: أنا فلان بن فلان، وفي روايات أخرى أنه قال: أنا معاوية بن أبي سفيان، وتوجد رواية ثالثة أنه سأل عن شماله فقال: من أنت؟ فقال له: أنا عمرو بن العاص، فقال له: طيِّب، وهنا قال أبو سفيان: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار قرار، لقد هلكت رواحلنا، وتخلَّت عنا بنو قريظة، ولقينا من شدَّة الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل.
طاعة وحكمة وحنكة وشكر لله:
ثم قام إلى جمله ففكَّ عقاله، وجلس عليه، ثمًَّ ضربه فوثب قائمًا، ولولا أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أمرني ألا أُحدث شيئًا حتَّى آتيه لقتلته بسهم، عند ذلك رجعت إلى النبي عليه الصلاة والسلام فوجدته قائمًا يصلي، فلمَّا رآني أدناني إلى رجليه وطرح عليَّ طرف المرط، فأخبرته الخبر فسُرَّ به سرورًا شديدًا، وحمد الله وأثنى عليه.
إذا أكرم الله الإنسان بشيء فعليه فورًا أن يشكر الله عزَّ وجل، حتَّى إن النبي عليه الصلاة والسلام كان يسجد سجود الشُكر، الآية الكريمة:
{لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) } .
اجعل لربِّك كل ... عزِّك يستقر ويثبت