النقطة الثانية هي القصَّة الأخيرة: سيدنا حذيفة بن اليمان قال: كنَّا في تلك الليلة ـ وهي من أشد الليالي قبل أن يرتحل المشركون ـ كنا في تلك الليلة صافين قعودًا، وأبو سفيان ومن معه من مشركي مكَّة فوقنا، وبنو قريظة من اليهود أسفل منا نخافهم على نسائنا وذرارينا، وما أتت علينا ليلةٌ قَطُّ أشدُّ ظلمةً، ولا أقوى ريحًا منها، فأصوات ريحها مثل الصواعق، وشدَّة ظلامها تجعل أحدنا ما يرى أصبعه، فأخذ المنافقون يستأذنون النبي عليه الصلاة والسلام، ويقولون: إنَّ بيوتنا مكشوفة للعدو، عند ذلك قام النبي عليه الصلاة والسلام وجعل يمرُّ بنا واحدًا وَاحدًا، حتَّى أتى إلي، وما عليَّ شيءٌ يقيني من البرد إلا مِرْطٌ ما يجاوز ركبتي ـ أصحاب رسول الله كانوا فقراء، برد وخوف، وجوع ـ فاقترب النبي عليه الصلاة والسلام مني، وأنا جاثٍ على الأرض، وقال:"من هذا؟"من أنت؟ قلت:"حذيفة"، قال:"حذيفة؟ تقاصرت إلى الأرض كراهيَّة أن أقوم من شدَّة الجوع والبرد، قلت:"نعم يا رسول الله"، قال: إنه كائنٌ في القوم خبرٌ فتسلَّل إلى عسكرهم، وائتني بخبرهم"، أي أنه بمهمة فدائي، فتسلل إلى عسكر المشركين، وائتني بخبرهم، فهناك أخبار غير موثوقة.
في ظرف عصيب وخوف شديد:
قال:"فخرجت، وأنا من أشدِّ الناس فزعًا، وأكثرهم بردًا، فقال عليه الصلاة والسلام: اللهمَّ احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته"، فو الله ما تمَّت دعوة النبي عليه الصلاة والسلام حتَّى انتزع الله من جوفي كل ما أودعه فيه من خوف ـ كل هذا الخوف الذي كان في قلبي انتُزِع ـ وأزال عن جسدي كل ما أصابني من برد تبدد الخوف، وتلاشى البرد ـ فلمَّا وليت ناداني عليه الصلاة والسلام، وقال:"يا حذيفة لا تحدِّثنَّ في القوم شيئًا حتى تأتيني"ـ أنت غير مكلَّف بشيء إطلاقًا إلا أن تأتيني بالخبر ولا كلمة ـ قلت:"نعم".
يتسلَّل حذيفة إلى صوف المشركين: