والعياذ بالله، سيدنا العباس عم رسول الله، أسلم قبل معركة بدر، وبقي في مكة عينًا للنبي، وكان يقدِّم له المعلومات أولًا بأول، معلومات من أعلى مستوى، فحينما تأتمر قريش على النبي، حينما تزمع أن تغزوه، حينما تدَبِّرُ له خطة، هذه المعلومات تصل إلى النبي فورًا، فيأخذ احتياطاته، فكان للنبي قيادة ذات مستوى رفيع جدًا، جاءت معركة أحد، وخاف أن يقتله أصحابه، يقتلوا عمه، فقال عليه الصلاة والسلام:"من رأى عمي العباس فلا يقتله"ـ لكن صحابيًا قال في نفسه:"نحن نقتل آباءنا وينهانا عن قتل عمه؟! نقتل آباءنا وإخواننا وينهانا عن قتل عمه، النبي لا يستطيع أن يقول: عمي مسلم، إذا قال له: مسلم، انكشف، انتهى، انتهت مهمته بمكة، ولو أعلن سيدنا العباس عن إسلامه لانتهت مهمته، ولو لم يوجه أصحابه بعدم قتله لقتلوه، بالمعركة، وإذا لم يخرج معهم للمدينة ينكشف أيضًا أمره، فيجب أن يصحبهم للمعركة فالنبي قال:"من رأى منكم عمي العباس فلا يقتله"، لأنه لو قال: عمي لقد أسلم، لشاع الخبر، وانتهت مهمته في مكة، ولو لم يوجِّه أصحابه بهذا التوجيه فهناك مشكلة ثانية، قد يقتل في معركة أحد."
فقال هذا الصحابي بعد أن كشفت له الحقيقة؟ بعد أن ظن بالنبي ظن السوء، إنه ينهانا عن قتل عمه، ونحن نقتل آباءنا؟! فصارت هذه قضية عصبية، بعد أن كشفت له الحقيقة، هذا الصحابي ظل يصلي ويصوم، ويفعل الصدقات، ويعتق، لعل الله يغفر له هذا الظن السوء بالنبي عليه الصلاة والسلام، فكيف لو ظن الإنسان بربه ظن السوء؟ فقد تجد أحيانًا من يقول: الله يريد أن يعذبنا، لا يحبنا، يقول لك: المسلمون متخلفون، فقراء، مُقَدَّرَاتُهُم بيد عدوهم، هكذا يرغي ويزبد، كأن الله ليس له علاقة بالموضوع.
أما هنا:
{وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) } .
لهذا قال عليه الصلاة والسلام:
(( إن حسن الظن بالله من حسن العبادة ) ).
[الجامع الصغير عن أبي هريرة]