لكن في أثناء حفر الخندق كان العمل شاقًا ومرهقًا، ولاسيما وفي المدينة موجة جوع، عامٌ فيه قَحْطٌ، وفيه مجاعةٌ، وفيه موجة بردٍ شديدة، جوعٌ وبردٌ وخوف، والخندق في ظاهر المدينة، فقال كُتَّاب السيرة:"لقد حصل للصحابة رضوان الله عليهم تعبٌ وجوعٌ وبرد، لأنه كان في زمن عسرةٍ وعام مجاعة، ولما رأى صلى الله عليه وسلَّم ما بأصحابه من النصبِ والجوع، قال متمثِّلًا بقول عبد الله بن رواحة ـ أحد أصحابه وكان شاعرًا ـ كان عليه الصلاة والسلام في أثناء الحفر يقول:"
اللهم لا عيْشَ إِلا عَيْشُ الآخِرَةِ ... فَأَصْلِحِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ
[من صحيح البخاري عن أنس بن مالك]
اللهمَّ لا عيشَ إلا عيشُ الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة
اللهمَّ لا خيرَ إلا خيرُ الآخرة ... فبارك في الأنصار والمهاجرة
اللهمَّ إن الأجر أجر الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة
اللهمَّ لا خيرَ إلا خيرُ الآخرة ... فانصر الأنصار والمهاجرة
فهذا الشعر الذي يبُثُّ الحماس في نفوس أصحابه، ويخفِّف عنهم متاعب الجوع والخوف والبرد والجهد الشاق، فأجابوه رضي الله عنهم:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا ... عَلَى الْجِهَادِ مَا حَيِينَا أَبَدَا
[من صحيح البخاري: عن أنس بن مالك]
وقال صلَّى الله عليه وسلَّم وهو ينقل التراب، وقد وارى التراب جلد بطنه الشريف، متمثلًا قولَ ابن رواحة:
وَ اللَّهِ لَوْلا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلا تَصَدَّقْنَا وَلا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا
إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ:
أبَيْنَا أَبَيْنَا
[من صحيح البخاري عن أنس بن مالك]
وأعاد أبينا ثلاث مرَّات:
إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
أبَيْنَا أَبَيْنَا
هكذا قال الله عزَّ وجل:
{وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) } .