[سنن الدارمي عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الأَسَدِيِّ]
هذا حديثُ صحيح، لكن لئلا نستخدم هذا المقياس بتوسُّع، العلماء حينما شرحوا هذا الحديث وقالوا: الإنسان سليم الفطرة، نقي القلب، نقي اليدين، هذا يمكن أن يكون قلبه من دون زيغٍ، أو خللٍ، أو اضطراب مقياسًا يتوافق مع الشرع.
ولكن دائمًا وأبدًا المقياس الإلهي هو شرعه الحنيف، اعرض ميزان عقلك على أحكام الشرع، فإن توافقا فاحمد الله عزَّ وجل على أن كان ميزان عقلك سليمًا، اعرض ميزان فطرتك على أحكام الشرع، فإن توافقتا فاحمد الله عزَّ وجل على أن ميزان فطرتك سليم، فالعقل ميزان والفطرة ميزان، ولكن العقل قد يضل، والفطرة قد تشوَّه.
لا يصح أن يكون العقل ميزانًا، والفطرة ميزانًا إلا إذا تبرَّأ العقل من الحظوظ والمنافع، لأن أهل الدنيا يستخدمون عقولهم لتبرير شهواتهم، يستخدمون عقولهم يفلسفون انحرافاتهم، يفلسفون طغيانهم، يفلسفون أكلهم لأموال الناس بالباطل، يفسلفون اعتداءهم على أعراض الناس، فعقل الشهواني في خدمة شهوته، لكن عقل الحر شهوته منضبطة بمقاييس عقله، فلئلا يضل العقل، لئلا يزل العقل، لئلا ينحرف العقل، كان الشرع ميزانًا على الميزان العقلي، فالعقل ميزان؛ لكن هذا الميزان قد يعتريه خطأ، وقد يفقد حساسيته بفعل المصالح والشهوات، والضغوط، والأهواء، يأتي ميزان الشريعة ليضبط ميزان العقل.
القضية تمامًا كما لو أعطينا طالبًا في الصف الثانوي مسألة في الرياضيات، وقلنا له: حُلَّ هذه المسألة وَفْقَ عقلك، وهذا هو الجواب، فإذا انتهى حلك بهذا الجواب فاعلم أن حلك صحيح، وإن لم ينته حلك بهذا الجواب فاعلم أن حلك باطل، فمهما فكرت، إذا هداك تفكيرك إلى ما يوافق كلام الله عزَّ وجل فهذا التفكير سليم، وجيِّد، وسديد، وهنيئًا لك عليه، أما إذا فكر ..
{إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) } .
(سورة المدثر)
فكر، وتأمل، اطلع، درس.