هذا الشاهد يؤكِّد أن الدين الحنيف هو دين الفطرة، فالتطابق تامٌ وشاملٌ بين أحكام الدين وطبيعة النفس البشرية، لذلك يمكن أن نوَجِّهَ الأنظار إلى قوله تعالى:
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} .
(سورة الروم: من الآية 30)
أي أن أوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه تتطابق مع النفس السليمة الطيبة النقية تطابقًا تامًا، فالشيء الذي يُنْكِرُهُ قلبك إذا كنت صافي الفطرة، سليم السريرة، نقيًا من كل زَيْغ، الشيء الذي ينكره قلبك تراه في الدين محرمًا، والشيء الذي ترتاح إليه تراه في الدين حلالًا، وحينما سُئِلَ عليه الصلاة والسلام عن البر قال عليه الصلاة والسلام:
(( الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ ) ).
[مسند أحمد عَنْ وَابِصَةَ الأَسَدِيِّ]
الله عزَّ وجل أعطاك مقياس العقل، وأعطاك مع مقياس العقل، ومقياس الفطرة، مقياس العقل من أجل أن تعرف الله عزَّ وجل، لأن مبادئ العقل متوافقةٌ مع مبادئ الكون، فإذا أعملته في الكون هداك إلى الله، العقل أداة معرفة الله، والعقل مناط التكليف، والفطرة مقياسٌ نفسي، ما من إنسان يسأل عالمًا عن قضيةٍ أقلقته، مجرد سؤاله عن هذه القضية معنى ذلك أن نفسه لم ترتح إليها، لماذا سأل؟ ما سأل إلا حينما شعر باضطراب، ما سأل إلا حينما شعر بالقلق، ما سأل إلا حينما أنكرت نفسه هذا التصرُّف، إذًا حينما قال عليه الصلاة والسلام لِوَابِصَةَ:
(( جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ فَضَرَبَ بِهَا صَدْرَهُ وَقَالَ: اسْتَفْتِ نَفْسَكَ، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ يَا وَابِصَةُ، ثَلاثًا، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ
النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ )) .