فإذا أردت الزواج، ونظرت بنور الله عزَّ وجل تختار الدَيِّنة، ذات الدين على ذات الجمال، وإذا عُرِضَت عليك شراكة، أرباحٌ طائلة، وأعمالٌ كثيرة، وسوقٌ رائجة، ومركزٌ تجاريٌّ رفيع، لكن هذه البضاعة محرَّمة بل فيها شبهة، وإنَّ بعض دخلها حرامٌ، وهناك عمل آخر أقلّ مردودًا، أقلّ شأنًا، أقلّ فائدة لكنَّه حلالٌ مئة في المئة، فإذا نظرت إلى هذين العملين بنور الله تختار الأقلَّ دخلًا، والأقلَّ شأنًا، لأنه أكثر صلاحًا وانطباقًا للشرع، فاتقِ الله.
إذا دخلت إلى بيتين، بيتٍ فخمٍ جدًا، وبيتٍ متواضعٍ جدًا، وعلِمت أن صاحب البيت الأول قد جمع هذا المال من طرقٍ لا ترضي الله عزَّ وجل، فنظرتك إليه نظرة المرتاب، إنسان توفي، وترك أولادًا خمسة، أحد أكبر الأخوة اغتصب مال الأبِ كلَّه، واشترى هذا البيت وأثّثه، وزيَّنه، ثم دخلت إلى بيت رجلٍ آخر متواضعٍ جدًا، وعرفت أن صاحبه مستقيم، وأن هذا البيت اشتراه بمالٍ حلال، فإذا نظرت بنور الله تقدِّر الثاني، وإذا نظرت بعين الدنيا تقدِّر الأول.
فمعنى: {اتَّقِ اللهَ} : أي دائمًا انظر بنور الله في؛ كسب المال، في إنفاق المال، في اختيار الزوجة، في اختيار العمل، في اختيار الأصدقاء، قد يكون لك صديق ذو شأن، وله مكانة، ويده تطول، وتعلِّق آمالًا كبيرةً على صداقته، وتعلِّق آمالًا في الانتفاع منه؛ ولك صديقٌ آخر أكثر علمًا وتقىً، وصلاحًا، فإذا نظرت بعين المصلحة إلى هذين الصديقين تختار الأول لغناه، ولعِظَم شأنه ولقوَّته، وإذا نظرت بنور الله تختار الثاني، لأنك تستفيد من علمه، ومن أخلاقه، ومن تقواه، فدائمًا ربُّنا سبحانه وتعالى جعل الحياة الدنيا على شكلٍ عجيب، الشيء الذي يَبْرُقُ أمام الناس قد لا يرضي الله، والشيء الذي ليس له بريق قد يكون الخير كلُّه كامنًا فيه، فإذا قرأت قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ (1) } .