يعزو بعض العلماء إلى أن ضياع المجتمع بسبب أن المثل الأعلى فيها قد فُقِد، وإنّ ألفَ خطبةٍ، وألف مقالةٍ، وألف كتابٍ لا يحدث في النفس ما يحدثه المثل الأعلى في نفوس الناس، لأن الأنبياء فعلوا شيئًا لا يصدَّق، لأنهم صادقون مع ذواتهم صدقًا لا حدود له، لأن حياتهم ليس فيها ازدواجٌ أبدًا، ليس عندهم ظاهرٌ وباطن، ليس عندهم موقفٌ معلَن وموقفٌ حقيقي، ليس عندهم شيءٍ للاستهلاك، ليس عندهم حقيقة تخالف غير الحقيقة، إنهم كانوا صادقين، اعتقدوا ما قالوا، وقالوا ما اعتقدوا، فعلوا ما علموا، وعلموا ما فعلوا، فلذلك إذا أردت أن يفتح الله عليك في تعريف الناس بالله عزَّ وجل فكن قدوةً ومثلًا أعلى، لأن القدوة والمثل الأعلى من حيث التأثير تفوق في تأثيرها وقوة فاعليَّتها أضعافًا مضاعفةً من الكلمات البَرَّاقة والخُطَب الرنانة ..
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ (1) } .
2 ـ بيان عظمة شأن النبي:
أراد الله سبحانه وتعالى أن يبيِّن لنا عِظَمَ شأن النبي، والذي يَلفت النظر أيضًا أن الله سبحانه وتعالى يقول في آياتٍ أخرى:
{أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (69) } .
(سورة المؤمنون)
أي أما عرفت قيمة النبي؟ أما عرفت خُلُقَ النبي؟ أما عرفت سنَّة النبي، أما عرفت أخلاق النبي؟ إن عرفت أخلاق النبي كان لك نِبْرَاسًَا، وكان لك مشعلًا وضَّاءً، وكان لك قدوةً، وكان لك أسوةً، وكان لك مثلًا.
{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} .
(سورة آل عمران: من الآية 31)
هذا معنى:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ (1) } .
وإعراب يا أيُّها: يا أداة نداء، وأي منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نَصب، والهاء زائدة، والنبي بدل من أيٌّها، هذه صياغة مألوفة في اللغة العربيَّة ..
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ (1) } .
{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) } .
(سورة الفجر)