المعنى الصحيح للآية: اختيار العبد:
لكن لهذه الآية معنىً أدق من ذلك، ومعنىً أبعد من ذلك، هو: أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مختارًا، وأعطاه حرية الاختيار، أو ما يسمى حرية الكسب، أعطاه حرية الاختيار ليثمَّن عمله، أي أن عمله الصالح لا قيمة له إطلاقًا إن لم يكن مختارًا، لو أن الله سبحانه وتعالى أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، حينما يُجْبِر الله عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولما ارتقى الإنسان عند الله عزَّ وجل، لا قيمة للعمل الصالح إلا إذا فعلته مختارًا، إذًا حرية الاختيار من أجل تثمين العمل، لو أن الله سبحانه وتعالى أجبرك على الإيمان، أو أودع فيك فقط نداء العقل، ولم يضع فيك نداء الغريزة، أي ليس لديك إلا الخير، وليس لديك إلا الطريق السالك إليه وحده، لو أن الله أجبر الناس على طاعته لما ارتقوا في الجنة، ولما استحقوا الجنة.
حينما أقدم للطالب ورقة الإجابة، وقد كتبتْ عليها الإجابة من قِبلي، وأقول لهذا الطالب: اكتب اسمك ورقمك، وهذه مئة من مئة، ما قيمة هذا النجاح؟ أُلغي النجاح، وسقطت قيمة النجاح، وليس هذا النجاح مقبولًا، ولا مرغوبًا، ولا مطلوبًا، لا عند الطلاب، ولا عند الأساتذة، ولا عند الناس جميعًا.
نفي مفهوم الجبرية:
إذًا لمجرد أن يجبر الله الناس على الهدى سقطت قيمة الهدى، وانتهى الهدى، وضاعت ثمرته، فقد يسأل سائل لماذا لم يجبرنا الله على طاعته وانتهى الأمر؟ هكذا تقول الآية:
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى}
(سورة الأنعام: آية"35")
لو كنت مجبركم على شيء لأجبرتكم على الهدى، ولو شئنا أن نجبركم، وأن نلغي اختياركم، وأن نلغي تكليفكم، وأن نلغي حرية كسبكم، لو أردنا ذلك لأجبرناكم على الهدى فقط:
{وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا}
(سورة السجدة: آية"13")