أيْ أن يخلق الإنسان مرةً ثانية ليحاسب على أعماله كلها؛ خيرها وشرها، جَيِّدها وسيئها، صالحها وطالحها، هذا شيءٌ يكفرون به، مع أن الله سبحانه وتعالى من أسمائه الحق، ومن الأدلة على اليوم الآخر أن الإنسان في الحياة قد يكونُ قويًا، وقد يطغى في قوته، وقد يكون ضعيفًا فيظلم في ضعفه، وقد يكون غنيًا، وقد يكون فقيرًا، وقد يكون صحيحًا، وقد يكون مريضًا، ويأتي الموت عند هذه الأوضاع غير المتكافئة، ألا ينبغي أن تكون هناك حياةٌ أخرى تسوَّى فيها الحسابات، يؤخذ من القوي للضعيف، ألا ينبغي أن يقيم الله عزَّ وجل حياةً أبديةً يجازي فيها المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته؟ لذلك كما يقولون:"وزعت الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف توزَّع في الآخرة توزيع جزاء".
{وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ}
لذلك فالكفر أيها الإخوة نوعان، كفر جلي وكفر خفي:
الكفر الخفي:
فإن لم تجد في عمل الإنسان اليومي ما يؤكِّد إيمانه باليوم الآخر فهو كافرٌ باليوم الآخر كُفرًا خفيًا، أضرب على هذا مثلًا: لو أنَّك زرت طبيبًا، وعالجك علاجًا جيدًا، وكتب لك وصفة، قد تصافح الطبيب، وقد تشكره على عنايته بك، ولكن لمجرَّد أنك لا تشتري هذا الدواء فلست إذًا واثقًا من علم هذا الطبيب، فعدم شراء الدواء تكذيبٌ لعلمه، ولو أثنيت على علمه، فالتكذيب نوعان تكذيبٌ جلي، وتكذيبٌ خفي مبطن، فإذا قلت: أنا مؤمن بالجنة والنار، أنا مؤمنٌ باليوم الآخر، ولم تعمل لليوم الآخر، ولم نجد في حركتك اليومية ما يدل على خوفك من النار، ولا طمعك في الجنة، فنقول: إنك تكذِّب باليوم الآخر تكذيبًا عمليًا، لا تكذيبًا قوليًا، فلذلك:
{بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ}