{ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ}
إذا دبَّت فيه الحياة، وتحرَّك، ونبض قلبه:
{وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ}
طبعًا السمع والأبصار والأفئدة كما قال بعض المفسرين: إنما هي حواس أودعها الله في الإنسان ليتعرَّف بها إلى خالق الأكوان، فبالعين ترى الكون، وبالأذن تستمع إلى الحق، وبالفؤاد الذي إذا جاء مع السمع والبصر يعدُّ الفِكر الذي أودعه الله في الإنسان، فهذه العين وهذه الأذن، وهذا الفكر مناط التكليف:
{وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ}
بالعين ترى آيات الله الدَّالة على عظمته، وبالأذن تستمع إلى كلام الله عزَّ وجل، وإلى سنَّة نبيه، بالعين والفكر تعقل، وبالأذن تسمع، وأنت أمام آياتٍ تحتاج إلى تفكُّر، وبين نقلٍ يحتاج إلى تدَبُّر، النقل عن طريق الأذن يحتاج إلى تدبر، والكون عن طريق العين يحتاج إلى تفكُّر، فمن خلال الكون تتعرف إلى الله عزَّ وجل، ومن خلال الأذن تتعرف إلى أمره ونهيه فتعبده، إذًا مجيء السمع والبصر والفؤاد هذه ثلاثة؛ حاستان وجهازٌ مُعَقَّدٌ جدًا، وهو الفكر، هذه الحواس مناط التكليف، بالعين والفكر تتأمل في آيات الله التي بثَّها في الكون فتعقل، وبالأذن تتدبَّر أوامره ونواهيه فتعبده، فلا بدَّ من اجتماع الفكر والعين والسمع:
{قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ}
أي لو نظرت قليلًا، لو استمعت قليلًا، هذا الأعرابي الذي سأل النبي عليه الصلاة والسلام قال: يا رسول الله عِظْني، ولا تطل، فتلا عليه قوله تعالى:
{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}
(سورة الزلزلة)
قال: كُفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فَقُهَ الرجل.