وهناك آيات كهذه الآية لا نفهمها لا بالنقل ولا بالعقل، ولكن إما أن نفوض أمرها إلى الله عزَّ وجل، وهي آياتٌ قليلةٌ جدًا، لا تزيد على عدد أصابع اليد، فنفوِّض تفسيرها إلى الله عزَّ وجل، ونحن في أعلى درجات العلم، هذا حجمك وأنت عبد، ألم تسمع قوله تعالى:
{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}
(سورة الإسراء)
فإذا تَنَطَّعْتَ لفهم كل آيةٍ فكأنك تنقض قوله تعالى:
{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}
ولو نظرت إلى السلف الصالح حينما كان أحدهم متواضعًا في نقل العلم، وفي تعليم العلم، لرأيت العجب العجاب ..
جاء وفدٌ من المغرب إلى الإمام مالك إمام دار الهجرة، والمقولة التي تعرفونها جميعًا:"لا يُفْتى ومالكٌ في المدينة"، جاء هذا الوفد بثلاثين سؤالًا، طرحت عليه الأسئلة، أجاب عن سبعة عشر سؤالًا، وقال عن الباقي: لا أدري، قالوا: يا إمام، أنت إمام دار الهجرة، قصدناك من أطراف الدنيا، بقينا أربعة أشهر نسير إليك، ثم تقول: لا أدري، فقال بكل بساطة: قولوا لهم: الإمام مالك قال جوابًا لها: لا يدري .. نصف العلم لا أدري، هذا التنطُّع لمعرفة كل شيء، كل شيء تعرفه، إذًا فأنت جاهل، الذي قال: إنه يعرف كل شيء فهو لا يعرف شيئًا.
{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}
والقصة التي تعرفونها .. كان شابٌ يدرِّس في بعض مساجد بغداد، وقد فتح الله عليه، والتف الناس حوله، طبعًا هذا ملأ قلوب الأصوليين من الدعاة غيرةً وحسدًا، فأراد بعض علماء بلده أن يُسَفِّهَهُ، وأن يُصَغِّرَهُ أمام تلاميذه، فحضر درسه، فلما انتهى الدرس قال: يا غُلام، هذا الذي قُلته ما سمعناه، قال: يا سيدي، أو علمت العلم كله؟ قال: لا، قال: إذًا هذا من الذي لا تعرفه .. هذا الذي قلته، وهو من الذي لا تعرفه أنت.