قيل لملِكٍ عظيم: يا أمير المؤمنين، بكم تشتري هذا الكأس من الماء إذا منع منك؟ قال: بنصف ملكي ـ قرأت قصةً عن باخرةً غرقت في عرض المحيط، أحد قوارب النجاة، أكبر قارب نجاة كان فيه حوالي سبعون إنسانًا، وفي هذا القارب مستودع للماء لا يكفي لإنسانين، فوزع الماء بملعقة الشاي، فكل واحد باليوم له ملعقة شاي من الماء، هل تصدقون أن ركاب هذا المركب قتل بعضهم بعضًا، ولم يصل إلى الشاطئ إلا اثنان، من أجل شربة ماء، من أجل أن يشرب ملعقتين من الماء بدلًا من ملعقة ـ قال له: يا أمير المؤمنين، بكم تشتري هذا الكأس إذا منع منك؟ قال له: بنصف ملكي، قال: فإذا منع إخراجه، قال: بنصف ملكي الآخر، قال له: ملكك يساوي كأس ماء.
إذا شرب الإنسان الماء، وكانت الكليتان سليمتين، والحالب والمثانة، وكله يعمل بانتظام، أليست هذه نعمة كبرى؟ لذلك:
{وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}
كن متواضعًا.
آيةً واحدة: إذًا إذا دعوت إلى الله، أو أمرت بالمعروف، أو نهيت عن المنكر، أو في أية حالةٍ من حالاتك ..
{وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ}
إياك أن تستعلي عليهم، وإياك أن تخاطبهم من فوق، وأن تكون متعجرفًا، وأن تشعر أنك فوق الناس.
{وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ}
إياك أن تستخفك الدنيا، أن تفرح بها، وبمالها، وزينتها، ومباهجها، فلا تنس أن البيت الذي جهدت في بنائه، وفي كسوته، وفي تزيينه، وفي تأثيثه لن يبقيك أحدٌ فيه ساعةٌ بعد الموت، ولن يسمح لك أن تدفن فيه، يقول لك: في المقبرة، اشتريته، وجهدت في بنائه، وتزيينه، وتأثيثه، وأقرب الناس إليك إكرامهم لك سرعة ترحيلك من هذا البيت، فعلامَ الفرح؟
{وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}