فإذا تلوت القرآن في الصلاة فربما شعرت كأنك تسمع القرآن أول مرة، وكأنه نزل من تَوِّهِ على النبي عليه الصلاة والسلام، هذه هي الصلاة، فالصلاة ميزان، من وّفَّى استوفى، من وفى الاستقامة حقها استوفى من الصلاة ثمراتها، فخالقٌ عظيم، وربٌ كريم، إنه خالق السماوات والأرض يأمرك أن تقف بين يديه، هل وأنت ساهٍ ولاهٍ، وأن تنحني وتنحني، وأن تقعد وتسلم، وانتهى كل شيء، أهذا أمر الله عزَّ وجل؟ هذه الذات الكاملة، وهذا الرب الكريم، وهذا الإله العظيم هذا أمره؟ أترضى لمخلوقٍ أن تؤدي أمره أداءً شكليًا؟ أترضى من ابنك إذا أمرته أن يدرس أن يقعد وراء المنضدة، وأن يفتح كتابًا، ويقلبه أمامك، وعينه نحوك، ولا يقرأ شيئًا؟ أترضى منه هذا؟ ألا تتهمه بالنفاق إذا فعل هذا؟ فكيف ترضى أن تؤدي هذه العبادة العظيمة أداءً شكليًا، أداءً أجوف؟ لكن أنَّى للمنحرف أن يقف بين يدي الله عزَّ وجل، وأنى للمذنب أن يقبل على الله؟ وللمسيء إلى خلقه أن يتجلى الله على قلبه؟ هذا القلب بيت الرب، والله عزَّ وجل أغنى الأغنياء عن الشرك، إذا كان في القلب شرك فالله عزَّ وجل يَدَعك وشأنك، فأن يستحق قلبك أن يتجلَّى الله عليه في الصلاة، أن يستحق قلبك أن يمتلئ نورًا من الله عزَّ وجل في الصلاة، لابدَّ من أن يكون طاهرًا، فالقلب بيت الرب، ومنظر الرب، فيا عبدي طهرت منظر الخلق سنين أفلا طَهَّرْتَ منظري ساعة؟ لذلك كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( الصلاة عماد الدين، فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين ) ).
[الجامع الصغير عن عمر]