فهرس الكتاب

الصفحة 14014 من 22028

الحكمة الثانية عشرة:

قال: >.

المغزى الأول: لا خير للمؤمن في الكافر:

إيَّاك أن تظن أن هذا الفاجر الكافر الفاسق فيه خير لك، أو يحبُّك، أو يمكن أن يقدِّم لك شيئًا، يجب أن تقطع أملك من الناس، من الناس عامَّة ومن أهل الدنيا والفسق والفجور والعصيان خاصَّة، لأن هناك تضادًا قديمًا بين أهل الحق وبين أهل الباطل، لا تُعَلِّق عليهم الآمال.

المغزى الثاني: الخير كله في الزهد فيما عند الناس:

الإمام الحسن البصري كان من الكبار التابعين، بلغ من المجد ما لم يبلغه أحد، سُئل مرَّةً:"يا إمام بمَ نلت هذا المقام؟"، فقال:"باستغنائي عن مال الناس، وحاجتهم إلى علمي".

أحيانًا تجد بعض من ينتمون إلى هذا العلم الشريف، يقبلون على من يزهد في علمهم طمعًا بدنياهم، فهم يطمعون في دنياهم، وهؤلاء الأغنياء والأقوياء يزهدون في علمهم، وقديمًا كان العكس، كان هؤلاء الأقوياء والأغنياء يقبلون على علمهم، وهؤلاء العُلماء يزهدون في مالهم، فقال:"باستغنائي عن مال الناس، وحاجتهم إلى علمي"، وهذا ما قاله الإمام الحسن البصري.

الحكمة الثالثة عشرة:

المغزى الأول: لا مشاحنة في الإسلام:

أيْ الذي عنده رغبة في المشاحنة .. فالنبي عليه الصلاة والسلام له كلمة بليغة جدًا قبل أن يموت، وقف خطيبًا وقال:

(( يا أيها الناس، إني قد دنا مني حقوق من بين أظهركم، فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه، ألا ومن كنت قد شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه، ومن كنت أخذت له مالا فهذا مالي فليستقد منه، لا يقولن رجل: إني أخشى الشحناء من قِبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا وإن الشحناء ليست من طبيعتي، ولا من شأني، ألا وإن أحبَّكم إلى من أخذ حقا إن كان له، أو حللني فلقيت الله وأنا طيب النفس، ألا وإني لا أرى ذلك مغنيا عني حتى أقوم فيكم مرارا، ثم نزل فصلى الظهر، ثم عاد إلى المنبر، فعاد لمقالته في الشحناء أو غيرها ) ).

[مجمع الزوائد]

ومن صفات الجهلاء، الشحناء، والمِراء، والمماحكة، والجدل، والكلام الطويل.

(( إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ) ).

[من صحيح البخاري عن المغيرة بن شعبة]

المغزى الثاني: إيَّاكم ومواطن التهمة:

وسيدنا رسول الله اللهمَّ صلِّ عليه كان معتكفًا في المسجد، فجاءته زوجته بطعام، فكره أن تعود وحدها إلى البيت فرجع معها، في الطريق فرأى صحابيين، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( عَلَى رِسْلِكُمَا، قَالا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا ) ).

[صحيح البخاري عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ]

المغزى الثالث: البيان يطرد الشيطان:

عَوِّد نفسك أن توضِّح كل شيء، فلو كنت طاهرًا لا يكفي، ولو كنت نظيفًا، ولو كنت حَسَن النيَّة، فالناس لا يعرفونك، فإن عرفت نفسك فهذه معرفةٌ داخليَّةٌ لا قيمة لها، اعمل عملًا له تفسيرٌ واحد، ابتعد عن الشبهات، ولا تقف مواقف التهمة، ثم تلوم الناس إذا اتهموك، ففرضًا لو كنت في محلٍ تجاري، وجاءت أختك إلى المحل، ورحَّبت بها، يجب أن تعلم إخوانك أن هذه أختي، لأنهم يتساءلون: كيف يرحِّب بها هذا الترحيب؟ لم نعهده بهذه الأخلاق؟ قل: هذه أختي، مثلًا، وهذا مثل لأن التعليم حرف، والتقليد ألف، والنبي علَّمنا بهذه الطريقة، قال لهما: (( على رسلكما، هذه زوجتي ) ).

في قبض الثمن، والدفع اكتب وصلًا إيصالًا، ووضِّح أن هذا المبلغ لفلان، وهذا لفلان، أنت واثق من نفسك، وبريء، ونيتك حسنة، ونظيف، فكل ذلك لا يكفي، فيجب أن تعلم الناس بذلك ..

(( رَحِمَ الله امرأً جبَّ المغيبة عن نفسه ) ).

الحكمة الرابعة عشرة:

المغزى الأول: نتائج العداوة وخيمة على صاحبها:

حينما يُعادي الإنسان تهزّ أعصابه، ويستهلك حياته استهلاكه رخيصًا، وهناك أشخاص يتحاكمون في المحاكم، تجد أن الفريقين استهلكا حياتهما النفسيَّة وأعصابهما سنواتٍ طويلة، حيث إن النصر لأحدهما لا قيمة له، مهما كان الحكم بعد هذه السنوات الثماني لأنك استهلكت نفسك، وأورثت قلبك الحقد، ودخلت في البُغض، والكيد.

لذلك: >.

أحد الأشخاص عرض على سيدنا أبي بكر قضيَّةً، فسيدنا أبو بكر أراد أن يأخذ رأي عمر فقال:"اذهبوا إلى عمر وخذوا رأيه"فسيدنا عمر رفض هذا الموضوع، ويبدو أنه واتخذ موقفًا في الرفض، فاغتاظ هؤلاء، وعادوا إلى الصديق، وقالوا:"يا خليفة رسول الله، الخليفة أنتَ أم هو؟"أرادوا أن يوغروا صدره عليه، قال:"هو إذا شاء .. مثل بعضها نحن واحد لا تَفْرِق بيننا .."

وهناك مواقف ذكيَّة جدًا، أنت عندما تترفَّع عن الدنيا فالله عزَّ وجل يؤتيك الحكمة، وكم من مصيبة مدمِّرةٍ أساسها كلمة! وأساسها استفزاز واحد، تجد أسرة قد دُمِرَت من كلمة حمقاء قالتها الزوجة، والزوج في غفلةٍ عن الله عزَّ وجل، فأخذته العزَّة فطلَّقها، وكم من شراكةٍ فُصِمَت لكلمةٍ قالها أحد الشركاء فاستفزَّ بها شريكه!

المغزى الثاني: الحِلم سيد الأخلاق:

الحكمة أن تكون حكيمًا، والحكمة أن تكون حليمًا، وواسع الأفق، وبعيد النظر، ورحب الصدر، كاد الحليم أن يكون نبيًا، دائمًا الإنسان في كل قضيَّة وخاصةً إذا كان في القضيَّة استفزاز، وتحطيم لأعصابه، يقول هذه الكلمة وأنا ناصحٌ له:"سوف أتَّخذ قرارًا بعد أسبوع"، ففي اليوم الثاني يخف هذا الغضب، وفي الثالث يقول: والله فلان معه حق، وأنا أغضبته سابقًا، وفي اليوم الرابع يقول: والله الحق معه، وتجد نفسك بعد سبعة أيام أخذت موقفًا في منتهى الحكمة والإنصاف، ولذلك ليحذر كل إنسان أن يتَّخذ قرارًا في ساعة الغضب، لأن الإنسان إذا غضب فليس إنسانًا، انتقل إلى صنف آخر من المخلوقات، وإذا أحب إنسان أن يراقب نفسه وهو غضبان ليقف أمام المرآة وهو غضبان، يكره نفسه كراهيَّةً لا حدود لها، ولذلك كاد الحليم أن يكون نبيًا، والحلم سَيِّدُ الأخلاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت