فهرس الكتاب

الصفحة 14012 من 22028

الحكمة الثامنة:

من الحكم الأخرى التي نُسِبَت إليه:

وكما قال سيدنا علي: >.

قال: >.

والدليل:

المغزى الأول: الدنيا زائلة فلا تشتغلوا بها:

هذا النبي العظيم سيد الخلق وحبيب الحق، ماذا أوتي من الدنيا؟ لم يؤتَ منها شيئًا، كان إذا صلَّى قيام الليل أبعدت السيِّدة عائشة رجليها، لأن غرفته من الضيق حيث لا تتسع لصلاته ونوم زوجته، هذا بيت النبي، دخل عليه رجل أصابته رعدة، فقال له:

(( هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ ) ).

[سنن بن ماجه عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ]

دخل عليه عمر فرآه مضطجعًا على حصير، وقد أثَّر في خدِّه الشريف، فبكى عمر فقال النبي: (( يا عمر لمَ تبكي؟ ) )، قال: رسول الله ينام على الحصير، وكسرى ملِك الفرس ينام على الحرير؟! قال: (( يا عمر، إنما هي نبوَّةٌ وليست ملكًا ) ).

[ابن ماجه عن عمر]

أنا لست بملك، هذه النبوة هكذا.

إذًا: النبي عليه الصلاة والسلام كان أسوةً حسنة.

قال لقمان الحكيم: >.

قال سيدنا علي: >.

المغزى الثاني: الدنيا ليست مقياسا:

الذي أتمنَّى أن يكون واضحًا عند كل إخوتنا هو: أن الدنيا ليست مقياسًا أبدًا، قد يؤتي الله عبدًا الدنيا، وهذا فضلٌ كبير، ونعمةٌ كبيرة، ويجب أن يذوب شكرًا، ولكن لا ينبغي أن يتَّخذ الدنيا مقياسًا لمحبَّة الله عزَّ وجل ..

(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ) .

أهل الكفر والعصيان ..

(فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) .

(سورة الأنعام: الآية 44)

المغزى الثالث: إذا جاءتك الدنيا وكنت مطيعا فاشكر الله:

إذا جاءتك فاشكر الله عليها، فقد ترى إنسانًا آتاه الله مالًا وفيرًا وهو مقيمٌ على المعاصي، فبسذاجةٍ تقول: أخي أعطاه الله، بيته كالجنَّة، إنه فوق الريح، رأى ليلة القدر، هذا كله كلام فارغ، فالغنى والفقر كما قال سيدنا علي: >.

هناك الغنى والفقر، لكن إذا كنت مؤمنًا، وآتاك الله الدنيا، وأنفقت من مالها الحلال، واللهِ هناك من يغبطك، سيدنا عبد الرحمن بن عوف سمع أن السيدة عائشة قالت: >، أي زحفًا لكثرة ماله، فبَلَغته هذه المقالة فتبسَّم، وقال: >.

المغزى الرابع: نِعْم المالُ الحلال للعبد الصالح:

حينما جاء عبد الرحمن بن عوف مهاجرًا إلى المدينة لم يكن معه دينارٌ واحد، أحد أصحاب رسول الله كان قد آخاه، قال: >، أجابه إجابةً لا أروع ولا أجمل منها، تقطر عفَّةً، وإباءً، وعزَّةً، قال: >.

هذا الموقف موقف نموذجي، والأنصار وقفوا أرقى موقف، قدَّموا كل ما عندهم للمهاجرين، فأعطوهم نصف أملاكهم، والمهاجرون وقفوا أكمل موقف، تعفَّفوا عن مالهم، وعملوا بالتجارة، قال: >.

دعاء عظيم:

بالمناسبة، الدعاء النبوي الشريف: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ:

(( اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ، اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ، اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ ) ).

[الترمذي]

أيْ: يا رب إنِّي أحبُّ المال، فإذا آتيتني المال فاجعله وسيلةً للتقرّب إليك، واجعلني أنفق هذا المال في طاعتك، وأمسح به بكاء البائسين، وأرقى عندك إلى أعلى عليين، واجعله مسخَّرًا لخدمة خلقك، وعونًا للضعفاء والمساكين، وشفاءً للمرضى، واجعله مأوىً لمن ليس له مأوى .. وإن زويت عني المال .. فهذا الوقت الذي أبذله في كسبه، وفي حسابه، وفي استثماره، اجعله في طاعتك يا رب، هذا الدعاء رائع جدًا:

(( اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ، اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ، اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ ) ).

[سنن الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الأَنْصَارِيِّ]

قد يتزوَّج الرجل امرأةً، ولم تكن في طموحه، وعُقِدَ العقد، وأنجب منها أولادًا، فزوى الله عنك ما تحب، هذا الفراغ الذي نشأ من أن هذا الشيء زوي عنك، اجعله في طاعتك يا رب، جاءتك امرأةٌ كما تُحِب اجعل هذا الزواج عونًا لي على طاعتك، واجعل هذه الزوجة معوانًا لي على طاعتك، يا رب، اجعلها تذكرني إن نسيت، وتنصحني إن غَفَلت، اشتريت مركبةً سخِّرها للحق، وكن خير من يستغلَّ هذه المركبة في طاعة الله عزَّ وجل، واشتريت بيتًا، واشتريت دُكَّانا، وعملت في مصلحةٍ، واشتغلت في حرفةٍ، وعملت في الطب، أو في الهندسة، أو كنت محاميًا، فاجعل مهنتك موظَّفةً في طاعة ربِّك.

والله أيها الإخوة الأكارم، الله عزَّ وجل حينما خلقنا في الدنيا خلقنا لنعمل صالحًا، ولذلك أبواب العمل الصالح لا تعدُّ ولا تحصى، وأنت في بيتك؛ الأبوَّة المثاليَّة عملٌ صالح، والزواج المِثالي عملٌ صالح، وأنت بين جيرانك فجيرانك مادَّةٌ لعملٍ صالح، وأنت في دكَّانك زبائنك مادةٌ لعملٍ صالح، وفي عيادتك مرضاك مادةٌ لعملٍ صالح، وفي مكتبك الموَكِّلون مادةٌ لعملٍ صالح، كيفما تحرَّكت، وأنت في معملك عمالك مادةٌ لعملٍ صالح، فكيفما سرت بإمكانك أن تعمل صالحًا.

هذا العامِل الذي جعله الله تحت يديك، وجعلك تعطيه أجرًا بإمكانك أن تسعده، وأن تكرمه، وأن تنصحه، وأن تأمره بالمعروف وأن تنهاه عن المنكر، ما دام الله عزَّ وجل قد جعل هذا الإنسان تحت يدك، فاستغلَّ هذه الناحية وخذ بيده إلى الله، فأصحاب المعامل وأصحاب المتاجر وأصحاب المزارع والمُعَلِّمون والمدرِّسون والأطبَّاء والصيادلة، كل حرفةٍ هناك من هم دونك، وقد أناطهم الله بك، بإمكانك أن تحسن إليهم، وأن تنصفهم، وأن تنصحهم، وأن تأخذ بيدهم، وأن تفتح قلوبهم بإحسانك قبل أن تفتح عقولهم بلسانك ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت