فهرس الكتاب

الصفحة 14009 من 22028

2 -من الحكمة معرفة الحقيقة قبل فوات الأوان:

لذلك طبَّقها في وقتٍ مبكِّر، وقطف ثمارها، واستفاد منها، وسَعِدَ في دُنياه وأخراه، أما الذي يبتعد عن كلام الله، ويبتعد عن الحق الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يبتعد عن مجالس العلم، ويتحرَّك في الحياة من دون توجيه خالقه، ومن دون منهج، سوف يكتشف بعض الحقائق، ولكن أغلب الظن أنه يكتشفها بعد فوات الأوان، أو بعد أن يدفع ثمنها باهظًا.

مثلًا: هناك إنسان رأى في الأرض ما يشبه قُنبلة، يا ترى هل هي قنبلة، أم ليست قنبلة، لقد اقترب منها ليفحصها، فإذا انفجرت بين يديه، في أقلّ من ثانيةٍ واحدة عرف أنها قنبلة، ولكن بعد فوات الأوان، وبعد أن أطاحت به، فهذا مثل رهيب جدًا، ولكن الحياة الدنيا فيها ما يشبه هذا المثل، أي أنه يتحرَّك على هواه، يتحرَّك بدافعٍ من شهوته، ومن مصلحته، فبعد فوات الأوان، وبعد أن يدفع سعادته الزوجيَّة ثمنًا، وبعد أن يدفع ماله كلَّه ثمنًا لأخطائه في البيع والشراء، يكتشف حقيقة، ولكن بعد فوات الأوان، فالبطولة كُلَّها أن تعرف الحق في الوقت المناسب، أن تستفيد من الحق، أن تستثمره، وأن تنتفع به، وأن تقطف ثماره في الدنيا، فالحقيقة التي لا ريب فيها هو أن كل إنسانٍ كائنًا من كان إذا جاءه الموت عرف الحقيقة، والدليل:

(فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) .

(سورة ق22)

وهل من إنسانٍ أكثر من فرعون كفرًا ‍؟! وأكثر منه كبرا؟ واستعلاءً وادِّعاءً؟ لقد ادَّعى أنه إله، فقال:

(أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى) .

(سورة النازعات 24)

هكذا قال، ومع ذلك حينما أدركه الغرق قال:

(آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ) .

(سورة يونس 90)

إذًا: ذا نستنبط؟ أن الحقيقة لابدَّ من أن تُعرف في وقتٍ ما، من هو المؤمن؟ ومن هو السعيد؟ والذكي؟ والموَفَّق؟ من هو الفالح؟ والمتفوِّق؟ والفائز؟ إنه الذي عرف الحقيقة في الوقت المناسب، في مُقتبل العمر، لأنه إذا عرف الحقيقة في مقتبل العمر شكَّل حياته وفق الحق، واختار صنعةً تتناسب مع مبدئه، وحرفةً يوظِّفها في سبيل آخرته، وزوجةً تعينه على أمر دينه، اختار كل الخيارات التي هي مُتَاحَةٌ أمامه وفق معرفته بالحق، إذًا شكَّل حياتَهُ إن صحَّ التعبير، في عمله، وزواجه، وعلاقاته، وإقامته، وتحرُّكاته، وتصرُّفاته وفق الحق سعد وأسعد، سعد بالحق وسعد به من ارتبط به، ومن تعلَّق به، ومن عامله، وشاركه، وتعامل معه.

إذًا: أردت من هذه المقدِّمة أن هناك أشخاصًا في خريف عمرهم يكشفون الحقيقة، ولكن بعد فوات الأوان، يقول لك: فلان عاركته الأيَّام، فلان أمضى حياته في هذا المجال فاكتشف هذه الحقيقة، لكنَّك إذا آمنت بالله عزَّ وجل خالق الكون، والخالق هو الصانع، وعنده الحق الصرف، والحقيقة التي لا ريب فيها ..

(وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) .

(سورة فاطر 14)

هل من خبيرٍ أكثر خبرةً من الله عزَّ وجل؟ هو الصانع، والخالق، يقول لك: افعل ولا تفعل، غضَّ بصرك، واجعل دخلك حلالًا أبارك لك فيه، حَدِّد علاقتك مع الناس وفق الشرع تأمن شرَّهم.

إذًا: نحن لا نريد حكمةً نستقيها في خريف العمر، وبعد فوات الأوان، وبعد أن ندفع الثمن باهظًا، بعد أن ندفع كل شيء.

قرأت كتابًا مرَّة لأحد المفكَّرين الغربيين وعنوان الكتاب"الإنسان ذلك المجهول"، ومحور هذا الكتاب أن الغرب أن ضيَّع الحياة الصحيحة التي ينبغي أن يحياها الإنسان، فالغرب يحيا حياةً ماديَّةً عالية المستوى؛ ولكن على حساب قيمه ومبادئه، بعد أن ضيَّع أثمن ما في الحياة عرف الحقيقة.

حينما أثبت الله عزَّ وجل لأهل الدنيا أنهم يعلمون، قال:

(غُلِبَتْ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَعْدَ الله لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) .

(سورة الروم 2 - 7)

حينما أثبت الله لهم العلم بالدنيا أثبت لهم العلم بظاهرها، صورها، وطلاءها الخارجي، وزيفها لا حقيقتها، لذلك قال بعضهم:"مساكين أهل الدنيا، جاءوا إليها وخرجوا منها ولم يعرفوا أجمل ما فيها، إنها معرفة الله عزَّ وجل، إنها طاعته، إنها الأُنْسُ به"، فلذلك:

(وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ)

أتمنَّى حكمةً تأتيني من كتاب الله، وأتمنى حكمةً أعرفها في مقتبل العمر، كي أُشَكِّلَ حياتي وَفْقَهَا، لا أتمنى حكمةً تأتيني بعد فوات الأوان، تأتيني وأنا على فراش الموت، تأتيني والنَدَمُ يعتصر قلبي، هذه لا قيمة لها، لأنها جاءت متأخِّرةً، فإذا عرف الطالب هذا البحث قبل أن يدخل الامتحان، وكان هذا البحث سؤال الامتحان شيء، وإذا دخل الامتحان، وما عرف الإجابة، وبعد أن خرج من الامتحان فتح الكتاب، وقرأ البحث وفهمه، ما قيمة هذا الفهم؟ بعد فوات الأوان، إذ فَهِمَه بعد الرسوب.

إذًا:

(وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت