إذًا: وعظ ـ وإن كان كلمة قاسية ـ فهو من أتفه الأعمال التي يفعلها الإنسان، إذا كان هو في واد ووعظه في واد، يأمر بما لا يأتمر، ينهى عما عنه لا ينتهي، يدعو الناس إلى شيء وهو بعيدٌ عنه، يأمرهم بشيء ولا يسبقهم إليه، ما سرُّ عظمة الأنبياء؟ يمكن أن نجمِّع هذا السر في كلمةٍ واحدة: أنهم قالوا بألسنتهم ما فعلوه في حياتهم، ليس في حياة الأنبياء ازدواجيَّة، ليس في حياة الأنبياء اثنينيَّة، ليس في حياة الأنبياء ظاهرٌ وباطن، خلوةٌ وجلوة، حياة الأنبياء كلٌ موحَّد، والمؤمن كذلك؛ ما في قلبه على لسانه، ما في لسانه في قلبه، سرُّه كعلانيَّته، سريرته كظاهره، وحينما يكون هناك وعَّاظ كلامهم في واد وعملهم في واد، يرتزقون بالوعظ، ويطلبون الدنيا منه، عندئذٍ تسقط هذه الكلمة (الوعظ) ، و يراها بعض الناس في الحَضيض، لكن ربنا عزَّ وجل قال:
{وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا} .
(سورة النساء63)
وكذلك:
{وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ}
فالوعظ يستطيعه كل من أوتي لسانًا وأثرًا من عِلْمٍ، كمن أوتي شيئًا من علمٍ، قرأ كتابًا في التفسير، قرأ كتابًا في الحديث، قرأ كتابًا في الفقه، سمع بعض القصص، أي إنسان اطلع على بعض المعلومات، وله لسان طليق بإمكانه أن يعظ الناس، ولكن هذا الإنسان لا يُجْرِي الله الخير على يديه، لأنه ليس صادقًا، وليس مخلصًا، أما إذا كنت مطبِّقًا لما تقول، صادقًا فيما تقول، مخلصًا فيما تقول، عندئذٍ يصبح الوعظ أعلى عملٍ، وأشرف عملٍ، وأغلى عملٍ يفعله الإنسان، عندئذٍ تأخذ كلمة الوعظ بريقًا.
أضرب لكم بعض الأمثلة:
2 -كلمة (جرثومة) :
هناك كلمات كان لها بريق، ثمَّ خبا بريقها بسبب نوع استعمالها، فمثلًا: كلمة جرثومة هي أصل الشيء، يأتي شاعر إلى خليفةٍ عظيم، فيمدحه بقصيدةٍ ويقول له:
أنت جرثومة الدينِ ... والإسلامِ والحسبِ