وهذه النفس البشريَّة، وما فيها من مشاعر، من أحاسيس، كيف تغضب، كيف ترضى، كيف تسعد، كيف تشقى، كيف تخجل، كيف ينشأ فيها الصراع، عالَم قائم بذاته، عِلم النَفْس لازال في البدايات، لازال يحبو، علم النفس، ولقد ألَّف رجل كتابًا وسمَّاه .. الإنسان ذلك المجهول .. لا تزال هذه النفس ذات طبيعةٍ مجهولة.
امرأةٌ في بلدٍ أوروبي، وهي في المطبخ ترى ابنها قد دُهِس، وهو في باريس، تصف الحادث وصفًا دقيقًا، رأته بعينها، وبعد أيامٍ جاء نعشه إلى البيت مع تقريرٍ تفصيلي بالحادث كما رأته هي، كيف؟ لا أحد يدري، سَمُّوا هذه الظاهرة التخاطر النفسي، سيدنا عمر وهو على المنبر رأى سارية خلف الجبل في بلاد فارس، فقطع الخطبة وقال: >، سيدنا سارية قال: >، فسِّروا ذلك! لا نعرف، لا يوجد تفسير، الحادثة وقعت، لكن ما تفسيرها؟ الله أعلم، لا تزال النفس في غموض شديد جدًا.
أما الروح فلا نعلم عنها شيئًا، ولكن آثارها واضحةٌ جدًا، الإنسان يفكِّر، يحل معادلة، يحل مسألة، يخطِّط، يؤسس بفكره، يهيِّئ كلمة، يتذكَّر، يتصوَّر، يتخيَّل، يراجع موضوعًا، يأكل فيه الغدد اللعابيَّة، المريء، المعدة، الأمعاء، البنكرياس، الغدد الدرقية، النخاميَّة، الكبد، العضلات، القلب، فأعقد آلة في الكون هو الإنسان، لو قُطِعَ عنه إمداد الله عزَّ وجل، أو سُحِبَتْ منه الروح، يضع أهله له لوحين من الثلج في نفس اليوم لكي لا تفوح رائحته، الدنيا شديدة الحرارة ستفوح رائحته، لا نستطيع، قبل دقيقتين كان مصدر حيويَّة في البيت، كان في البيت يتكلَّم، ويمزح، ويضحك، ويعطي أوامر، ويستقبل ضيوفًا، ويصدر توجيهات، والناس بين يديه خاضعون، ما الذي حدث بعد ذلك؟ صار يحتاج إلى لوحين من الثلج، هذه هي الروح ..