الحديث عن العقل بمعنى الفكر، عن إمكاناته، عن طاقاته، فمكان الذاكرة لا يزيد على حبَّة العدس، هذا المكان يختزن أكثر من سبعين مليار صورة في عمر يزيد على ستين عاما، وتستدعيها متى تشاء، فهي مُبرمجة، مؤرشفة ـ باللغة الحديثة ـ يمكن أن تختزن هذه الصورة في مكان بعيد لا تحتاجها، أو في مكان قريب، تقول: هذا الوجه ألمحه، وهذا الصوت أعرفه، وهذه الرائحة شممتها، وهذه الأكلة أكلتها ..
أتحسبُ أنَّكَ جرْمٌ صغير ... وفيك انطوى العَالَم الأكبرُ
أنت الكائن الأول، أنت المخلوق الأول، المخلوق المكرَّم، فالحديث عن عقلك لا ينتهي، وكل ما تراه عينك في هذه الأرض من إنجازات تسمى حضارية، هي ثمرة من ثمار العقل حينما توجَّه إلى الدنيا، أما إذا توجَّه هذا العقل إلى معرفة الله.
إن عقل الإنسان فيما يبدو أسعد بعض البشريَّة، أسعد الأغنياء، أجهز، يقول لك: وأنا في السيارة أبعث رسالة مصوُّرة إلى أي مكان في العالَم، بواسطة جهاز نقل الصور في السيارة، وأنا أتصل، فهذا العقل البشري أسعد بعض الناس، أو أسعد الأغنياء، ولكن إذا اتجه هذا العقل إلى معرفة الله سَعِدَ صاحبه إلى أبدِ الآبدين.
إن الله لما خلق العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أشرف منك، فبك آخذ، وبك أعطي )) .
[ورد في بعض الآثار، راجع كشف الخفاء]
الحديث عن العقل ذو شجون، المعرفة الإنسانيَّة، أنواع العلوم التطبيقيَّة والمحضة، هذا الذي تراه عينك في كل موضوع آلاف المراجع، آلاف المصادر، علماء، بحوث، تجارب، هذا العقل، هذه الطاقة الهائلة صُرِفَت إلى الدنيا، فكانت هذه ثمراتها، فلو صُرِفَت إلى الآخرة فما تكون ثمارها؟ سعادة أبدية.