مرة الله عزَّ وجل ينفي عنه الهدى؛ ومرة يثبت له الهدى، إذا نفى عنه الهدى بمعنى: أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يستطيع أن يصل إلى قلب الإنسان فيلزمه وهو مختار، وهو حر في اختياره، أما إذا أثبتنا للنبي عليه الصلاة والسلام الهدى، بمعنى أنه ينطق بالحق، إذا كان الهدى هو أن ينطق بالحق فهو:
{وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6) }
(سورة سبأ)
أما إذا كان الهدى أن يصل هذا الكلام إلى القلب فإنه ليس في إمكانه أن يهدي الناس:
{إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}
(سورة القصص: من آية"56")
يكاد يكون المعنى نفسه:
{وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (53) }
قال أصحاب النبي عليهم رضوان الله:"أوتينا الإيمان قبل القرآن"، آمنا بالله عزَّ وجل، بعد أن آمنا به آمنا بكلامه، فلما ربنا عزَّ وجل قال:
{ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) }
(سورة البقرة)
من هو المتقي؟ أن تتقي شيئًا موجودًا، آمنت بوجود الله عزَّ جل واتقيت أن تعصيه، هذا المتقي، فمتى آمنت بالله عزَّ وجل؟ إذا فكرت في ملكوت السماوات والأرض لأن الكتاب هدىً للمتقين، أي أن المتقي آمن بالله أولًا، وأراد أن يطيعه ثانيًا، فجاء الكتاب هاديًا له ثالثًا، آمن، وأراد، وجاء الكتاب هاديًا له.
{وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (53) }
ومعنى (تسمع) هنا بمعنى أن يبلغ الكلام مكانه الطبيعي، لأن:
{وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) }
(سورة الأنفال)
السماع الذي أراده الله عزَّ وجل هو الذي يحملك على التطبيق، هو الذي ينقلك من طور السماع إلى طور التطبيق.