تلقي نظرة على بعض البساتين في شهر كانون الأول، ولك أن تُلقي هذه النظرة الأخرى على بعض البساتين في هذه الأيام، يا ترى الأرض كلها قد أنبتت؟ من كل زوجٍ بهيج، اللون الأخطر نضر، الأزهار فوَّاحة، الأرض ارتوت وأنبتت من كل زوجٍ بهيج.
{فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) }
المؤمن لعمق إيمانه يفرح بماء السماء، ولكن يفرح إذا اهتدى إلى صاحب النعمة وهو الله سبحانه وتعالى، فدائمًا الإنسان إذا فرح بالدنيا فقط، واكتفى بالدنيا، هناك مشكلة، المشكلة أن الدنيا تنتهي، ففي بعض البلاد الأجنبية الأمطار فيها ألف ميليمتر في السنة، والبلاد كلها خضراء، والغابات كثيفة جدًا، والأنهار غزيرة، والينابيع فوَّارة، يا ترى لو أن الدنيا جاءت كما نريد ولم نكن في المستوى الذي يريده الله عزَّ وجل، هل هذه نعمة؟ المؤمن الحقيقي يفرح بطاعته لله عزَّ وجل، وبعمله الصالح لأن هذا الذي يسعد في الأبد.
المؤمن يعلم أن تقنين الله عزَّ وجل لم يكن عن عجزٍ بل كان عن تأديبٍ:
قال تعالى:
{وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) }
معنى مبلسين أي يائسين، الإنسان لجوج، إذا انحبست أمطار السماء، تجد الناس يقولون: انتهى الأمر، الأنهار جَفَّت، دخلنا في التصحُّر، الجفاف عَم، المواسم انتهت، الأشجار سنقطعها، تجد يأسه سريعًا، ودائمًا ربنا عزَّ وجل يُخَيِّبُ آمال أو توقُّعات المتشائمين، هناك أماكن في الغوطة مجاري المياه زرعوها، ظنوا أن القضية انتهت، الأنهار جَفَّت، ولن تجري بعد اليوم، فلما جاء تفجُّر نبع الفيجة قبل أشهر، وصلت مياه بردى إلى العُتَيْبَة، وعاد إلى ما كان عليه قبل سنواتٍ طويلة، زرعوا أرضه في بعض الأماكن، إذًا:
{وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) }