الحقيقة أن هذه الدنيا دار ابتلاء والآخرة دار جزاء، هذه الدنيا دار عمل والآخرة دار تشريف، هذه الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف، فربما ربنا عزَّ وجل في الدنيا كافأ بعض المحسنين تشجيعًا لنا، وربما عاقب بعض المسيئين تحذيرًا لنا، فالعقاب والجزاء في الدنيا عقاب عينات، القصد منها التعليم، أما الحساب الدقيق، والجزاء الأوفى الكامل، دفع رصيد الحساب، ربما أعطي المؤمن دفعة على الحساب في الدنيا، أما إعطاء الرصيد يوم القيامة، ربما وجدت مؤمنًا مستقيمًا على أمر الله ومع ذلك دنياه ضيِّقة وخَشِنَة، نقول له: الجزاء يوم القيامة، لكن ربنا عزَّ وجل شاءت حكمته أحيانًا أن يكافئ المحسن في الدنيا على إحسانه تشجيعًا لبقية المحسنين، وأن يعاقب المسيء على إساءته ردعًا لبقية المسيئين، فهذا الإحسان تعليمي، والعقاب تعليمي وتحذيري، أما الحساب الأخير، والكامل، والأوفى، والرصيد، هذا يوم القيامة، لذلك ربنا عزَّ وجل قال:
{مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (45) }
لاحظوا دائمًا (آمنوا وعملوا الصالحات) ، هكذا الدين؟ الدين علم وعمل، إن ألغيت العلم لم يبق دين، أخلاق بلا صلاة بعد عن الدين، إذا ألغيت العمل لم يبق دين، الدين يقوم على رُكنين أساسيين، العقيدة والسلوك، العلم والعمل، الإيمان والعمل الصالح، فإذا وردت كلمة وعملوا الصالحات وحدها مع الإيمان، معنى ذلك الاستقامة والطاعة والأعمال الصالحة، والإيمان إذا وردت مع الأعمال الصالحة معناها العقيدة، أي أنه تَعَرَّف إلى الله، وصَحَّت عقيدته، واستقام على أمره، وعمل الصالحات، فهذه الكلمة تأتي في القرآن مئات المرَّات ـ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ـ أي أنهم تعرفوا إلى الله عزَّ وجل وأطاعوه، جاءت بشكل آخر: