لكن لو أن الله عزَّ وجل تخلَّى عن الإنسان لثانية يموت، ما قيمة الميِّت؟ الإنسان بلا روح لا يزيد ثمنه بكامله عن خمسٍ وعشرين ليرةً سوريَّة، لأن سبعين بالمئة منه ماء، وكمية الماء صفيحتان، فيه فوسفور يكفي لصنع علبة عود ثقاب، فيه كلس يكفي لتبييض بيت للدجاج، فيه حديد يكفي لصنع مسمار، لو أردت أن تأخذه كمواد لا قيمة له إطلاقًا، لكن بهذا التجلِّي الإلهي الدماغ يفكِّر، ويحاكم، ويخترع، ويكتشف، ويتصوَّر، ويتخيَّل، وفي ذاكرته سبعين مليار صورة ـ إذا عاش الإنسان سبعين سنة أو ستين سنة تخزِّن ذاكرته ما يعادل سبعين مليار صورة ـ ومشمومات، ومسموعات، ومبصرات، وذاكرة أرقام، وذاكرة وجوه، وهذه مخبَّأة في مكان بعيد لأنه لا يحتاجها، وهذه الصورة مخبَّأة في مكان قريب، وهذه مخبّأة في مكان متوسِّط، وهذه تُلقى في المهملات وأنت لا تدري، الذاكرة وحدها لو أردت أن تقف عند دقائقها لأخذك العجب العجاب، هذا بتجلي الله عليك، فلو منع عنك التجلي وسحب منك الروح ما قيمة الدماغ؟ فكل عضوٍ من أعضائك إذا تجلى الله عليه فعل المُعْجِزات، فإذا تخلَّى الله عنه صار قطعة من لحمٍ سريعة التفسُّخ، سريعة الفساد، هذا معنى قيام الشيء بالله عزَّ وجل، لولا أن الله عزَّ وجل يتجلَّى على مخلوقاته لما كان هناك مخلوقات، فربنا عزَّ وجل كَّن فيكون زُل فيزول، لا شيء:
{فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا}
(سورة الأعراف: من آية"143")