هنا في الآية عندما دعا ربنا عز وجل هؤلاء المؤمنين في مكة إلى الهجرة، ما الذي يخافون منه؟ يخافون أن يموتوا في الطريق! لأن قريشا كانت تترصد لهم، ويخافون أن يفتقروا، لأنهم إذا جاءوا إلى المدينة لا شيء عندهم، كما يقول بعضهم: اقتلعوا من جذورهم، تركوا أموالهم وبيوتهم وتجارتهم، وجاءوا إلى بلد لا يعرفون أحدًا فيه، فربّنا عز وجل طمأن هؤلاء قال:
{يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ}
يجب أن يكون شغلك الشاغل عبادة الله، هدفك الأسمى أن تعبده، هدفك الأكبر أن تعبده، لا شيء يعلو على هذا الهدف، لا شيء يقلق إلا أن تعبده.
{يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا}
إن كنتم حقًا مؤمنين، إن عرفتموني، وعرفتم حقيقة الحياة، وكيف أنها دار عمل، وعرفتم حقيقة الآخرة، وكيف أنها دار جزاء، وعرفتم أبدية الآخرة، وزوال الدنيا، وشدة انقضائها، إن عرفتم هذه الحقائق، وعرفتم ما عندي من إكرام كبير، وعرفتم ما بعد الموت للكفار من عذاب أليم.
{يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ}
عليكم أن تعبدوني بأي ثمن! ولو كان الثمن أن تخرجوا من أرضكم!
{فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ}
ولا تخافوا أن تكون الهجرة سببًا في موتكم، لأن كل نفس ذائقة الموت، الموت الذي تخافون منه، لا محالة آت في الوقت الذي هو مقرر، هذه الفكرة مريحة جدًا، لي عند الله أجل لا يزيد ولا ينقص، لا يزيد ثانية، ولا ينقص ثانية، وهذا الأجل بتقدير الله عز وجل العليم الحكيم، لهذا عندما قال أحد الشعراء:
إن الطبيب له علم يُدل به إن ... كان للناس في الآجال تأخير
حتى إذا ما انقضت أيام رحلته ... حار الطبيب وخانته العقاقير
كلكم يعلم أن الإنسان يكتَب نعيه أحيانًا، ويعيش ثلاثين عامًا بعد كتابة النعي! وإنسان يرتجى طول عمره، فإذا هو في ثوان معدودة أصبح من أهل القبور! هكذا الحياة، فقال: