أيها الإخوة الأكارم، في الوحي شيءٌ يجب أن يُعلم عِلمًا يقينيًا، هو أن ظاهرة الوحي تتمثل في شيء و، في حقيقةٍ خارجة عن إرادة النبي لا يملك جلبها ولا ردّها، لو أنه يملك جلبها لاختلط الشيء، لو أنه يملك ردها لاختلط الأمر، حقيقة الوحي أن الوحيَ مستقل تمام الاستقلال عن كيان النبي، لا يملك جلبها متى شاء، ولا ردها متى شاء، لذلك عَنْ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ:
(( كَانَ أَوَّلَ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، فَكَانَ يَلْحَقُ بِغَارِ حِرَاءٍ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ، قَالَ: وَالتَّحَنُّثُ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ بِمِثْلِهَا، حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ، وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَا، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَا قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ ... ) ).
[متفق عليه]
ليكون هذا الوحي واضحًا وضوح الشمس أنه ليس حلمًا، وليس رؤيةً نفسيةً، ولا خيالًا، ولا وهمًا، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدَ ) )، فهو ليس بنائم، وعاد إلى البيت وهو خائف وقال:
(( زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي ) ).