لو أن الله سبحانه وتعالى جدلًا أو فرضًا جعله يقرأ ويكتب، لو أن هذا النبي الكريم تعلّم القراءة والكتابة، وقرأ ثقافة عصره، واستوعب ما في هذا العصر من ثقافة، والثقافة تعني خبرات البشر المتراكمة، ثقافة أية أمة، لو أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ، ويكتب، وقد استوعب ثقافة عصره كما هو الوصف لبعض العباقرة، أو لبعض المبدعين، أو لبعض الأدباء، أو لبعض العلماء، يقولون: إنّ فلانًا قد استوعب ثقافة عصره، لو أن النبي عليه الصلاة والسلام استوعب ثقافة عصره، وكان يقرأ، ويكتب، ولو اطلع على ما في الكتب، وما في الحضارات، ثم جاءه الوحي، إن أيّ إنسان سيسأله كل يوم، وفي كل وقت، مع كل كلمة يتلوها على قومه، يا رسول الله، أهذه من عندك أم من الوحي؟ يختلط الوحي بالثقافة، ولو أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ، ويكتب، وقد استوعب ثقافة العصر لجعل الناس الوحي دراسةً، لجعل الناس الوحي ثقافةً، لجعل الناس الوحي اطّلاعًا، لو أن النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ، ويكتب لتوصلنا بهذا إلى إنكار نبوة النبي، وإلى إنكار الوحي، ولكن حكمة الله جل وعلا شاءت أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام أميًا.
ولا يذهبن بكم الظن أن كلمة أُمّي تعني أنه لا يعلم، لا، قد يأتينا طبيب من أرقى فروع الاختصاص، ولكنه يجهل لغتنا جهلًا مطبقًا، فهو في لغتنا أُمّي، وهو يمثل أعلى درجات العلم، وكلمة أمي تعني أنه لا يقرأ لغة.
أنا أحيانًا حينما أُمسك ورقة تخطيط قلب لا أفهم منها شيئًا، فأنا أُمّي في هذا، أما إذا قرأها طبيب فيقول: القلب سليم، أو فيه اضطراب، أو فيه اضطراب في النظم، أو ما شاكل ذلك.
لذلك معنى أمي:
يا أيها الأمي حسبك رتبةً ... في العلم أن دانت لك العلماءُ