لذلك ورد في بعض الأحاديث الصحيحة حديث يحتاج إلى تأويل، وهو عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ ) ).
[صحيح مسلم]
هذا الحديث لا يمكن أن ناخُذَهُ على ظاهره، هذا الحديث يحتاج إلى تأويل، أي أن الإنسان علامة حياته أنَّه يحسُّ بذنبه، وعلامة موته أنه لا يحسُّ بذنبه، فمثلًا إنسان في سهرة، والسهرة فيها غيبة، واحد اغتاب كثيرًا، وذهب فصلى العشاء ونام، هذا ميت القلب، هذا ما حسَّ بذنبه، لا يوجد عنده نبض إطلاقًا، ملكاته كلَّها معطلة، لكن المؤمن الصادق إذا نطق لسانه بكلمة غيبة واحدة يَخْتَلُّ توازنه، ولا ينام الليل ويدفع الصدقة مباشرةً، علامة صحة إيمانك إحساسك بذنبك، وكلما ارتقى الإيمان ازدادت حساسية المؤمن بذنبه، هناك ذنوب خواطر أحيانًا، هناك كلمة، هناك حركة حاجب، هناك ابتسامة في غير موضعها، هناك نظرةٌ قاسية، هناك دفعٌ للباب بقوة، هذا ذنب كبير في حضرة الأم أو الأب، كلما ارتقى مستوى الإنسان امتلك شعورًا حسَّاسًا بالذنب في إدراك ذنبه، وكلَّما هبط مستواه تَبَلَّد حسّه، وصار يقول: ماذا أفعل أنا، أنا جيد، إذًا كلما ارتقيت في سُلَّم الإيمان ارتقى معك شعورك بالذنب، لو لم تذنبوا أي لو لم تشعروا بذنوبكم لذهب الله بكم، أنتم موتى، هكذا يقصد الحديث، وأتى بقومٍ يذنبون يعني إذا أذنبوا شعروا بذنوبهم فاستغفروا، فيستغفرون فيغفر الله لهم:
{وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ}