خلق الكون، وأعطاك التوجيهات، مثل بسيط ومبسَّط: شُقَّ الطريق، ووضعت الشاخصات؛ فهنا منزلق خطر، وهنا تقاطع خطر، وهنا طريقٌ ضيِّقة، وطريقٌ صاعدة، ومنعطفٌ حاد، وهذه لوحات قبل مسافات، قبل ألف متر، قبل خمسمائة، شُقَّ الطريق وضعت الشاخصات، خلق الكون أُنزل الكتاب، خلق الله الكون ونَوَّره بالقرآن:
{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}
(سورة النور: الآية 35)
عندك آلة ومعها تعليمات، وشيء مادي ومعه توجيهات، فأنت آلة، مخلوق من أعقد الآلات في الكون، ومعك كتاب تعليمات الصانع، وهو القرآن الكريم:
{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ}
(سورة القصص: الآية 68)
هناك معنى آخر دقيق، والمعنى الآخر أنه عندما يختار الإنسان شيئا فاختياره جزئي لا كُلي، ولماذا جزئي؟ لأن الفعل ليس له، لو فرضنا إنسانا اختار أن يقتل إنسانًا، وهو اختار فقط، أما المشيئة فتحتاج إلى اختيار، وإرادة وقدرة، فهو يملك الإرادة، لكنه لا يملك القدرة، إذًا: مشيئته ناقصة حتى يسمح الله، فهذه عقيدة مريحة جدًا، فلو كان لك عدو مخيف فقوته بيدِ الله عزّ وجل، قد ينوي لك هذا العدو شرًا كبيرًا، لكن لا يستطيع أن يوقع من شرِّه إلا بالقدر الذي يسمح الله له به.
إذًا: أما أنتم أيها البشر فما كان لكم الخيرة الصحيحة الكاملة، لأن قوتكم بيدِ الله عزّ وجل، فتختارون شيئًا فالله عزّ وجل إما أن ينفِّذ أو لا ينَفِّذ، فلو وُجد مخلوق مربوط بزمام متين، وأنت أرخيت الزمام فيتحرك، وهو يبدو لك أنه حر، ويتوهم أن حركته حرة، لكن في أية لحظة يُشَدُّ الزمام فإذا هو في القبضة.
فإذًا المعنى الأول: أن الإنسان لعلمه الناقص، ولعبوديته لله عزّ وجل، ولأنه كائن حادث محدود، علْمُه من علم الله، فما كان لهذا الإنسان أن يكون له اختيار مع اختيار الله عزّ وجل، وما كان له أن يبدي رأيًا مع شرع الله عزّ وجل:
{مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ}