مثلًا: لو أن مؤسسةً، أو وزارةً، أو معملًا، أو منشأة لها مدير عام بيده كل شيء، ولا يمكن أن يحدث شيء في هذه المُنْشَأة إلا بعد موافقة المدير العام، فإذا كان هذا المدير العام قد أرسلك في مهمَّة، تقول له: أخشى أن أُعاقب غدًا بسبب الغياب عن الدوام؟ يقول لك: من يعاقبك غيري؟ أنا الذي أعاقب، وأنا أرسلتك بمهمة، أيعقل أن أعاقبك على أنَّك نَفَّذت هذه المهمة؟ إذ لا ينفذ قرار عقابك إلا بتوقيعي، وإذا قال هذا الموظف لهذا المدير العام الذي بيده كلُّ الأمور: أخشى أن أنفذ هذه المهمة فأعاقب غدًا لتخلُّفي عن الدوام؟ يقول لك: عجبًا! هل في هذه الدائرة إلا مديرٌ واحد؟ وهل ينفذ كتاب عقابٍ إلا إذا وقَّعته أنا؟ أنا الذي أرسلتك.
{إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا}
الله عزَّ وجل ردَّ عليهم فقال:
{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ}
(سورة القصص: الآية 68)
هو الخلاَّق، وهو الذي يخلق أفعال العباد، والعباد لهم الاختيار فقط، أما الذي يخلق أفعالهم فهو الله عزَّ وجل.
فحينما توهَّم المعتزلة أن الإنسان خالق أفعاله، ضلُّوا ضلالًا مبينًا، فالإنسان لا يخلق أفعاله، بل ينبعث إلى أفعاله، ويكسب أفعاله فقط، أما فعلُ الإنسان فهو فعل الله عزَّ وجل، والإنسان له الثواب أو العقاب على انبعاثه لهذا العمل، وعلى كسبه له، وهذا معنى قوله تعالى:
{لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}
(سورة البقرة: الآية 286)
فمعنى هذه الآية:
{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ}
مشيئته هي النافذة.
{مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا}
(سورة الكهف)
{مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا}
(سورة هود: الآية 65)
و يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
َرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ
(سورة الفتح: الآية 10)
{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}