فهذه {مِنْ} تفيد استغراق أفراد النوع فَردًا فردًا، فإذا قال المعلم: ما مِن طالبٍ إلا وله جائزة، هذا الكلام شمل الغائبين، ومنهم اثنان غائبان يغطيهم، أما إذا قال: طلاَّب هذا الصف لهم عندي جائزة، فالمقصود الحاضرين، إذًا لمّا نَكَّر ربنا عزَّ وجل كلمة {دَابّةٍ} ، تنكير شمول أضاف لها {مِنْ} لاستغراق أفراد النوع، ثمّ نفى واستثنى، لو قال: الدواب على الله رزقها، أي على الله نَكَّر وعلى غير الله، ويقول لما ربنا:
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}
(سورة الفاتحة)
2 -تقديم ما حقه التأخير: إيَّاك نعبد:
هنا في الجملة قصْر، فلو قال: نعبد إياك، لصار المعنى: نعبدك، ونعبد غيرك، أما:
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ}
فتعني: لا نعبد إلا أنت، من تقديم المفعول به على الفعل، فصار في الجملة قصر، بأسلوب النفي والاستثناء، {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ} ، إذًا الرزق مقصورٌ على الله عزَّ وجل.
الآن لو قال الله عزَّ وجل: ما من دابةٍ إلا الله يرزقها، فلا يعني على وجه الإلزام، فقد يرزقها، أو لا يرزقها، ولكن عندما قال: {إِلاَّ عَلَى} ، فإن (على) تفيد الإلزام، فكلمة (مِن) أعطت معنى، وكلمة (دابةٍ) أعطت معنى، وكلمة (من) حصرت في معنى محدد، ومثلها كلمة (ما) لها معنى، وكذلك كلمة (إلا) أفادت معنى.
ذات مرةٍ حاولت في هذه الآية أن أصيغها صياغة أخرى؛ في اثنتي عشرة صياغة، فأشعر أن المستوى هبط فجأةً، فمِن حَذْفِ (من) هبط المستوى، ومن إلغاء القصر هبط المستوى، لذلك هناك إعجاز في نظم القرآن الكريم، والشواهد والدلالات على هذا البند كثيرة جدًا، لكنها تحتاج إلى اختصاص، اختصاص في البلاغة، اختصاص في اللغة، في النحو، في الصرف، في بنية الكلمة، في أوزان الأفعال:
{لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}
(سورة البقرة: آية 286)
3 -كسبت واكتسبت: