{وَلَكِنَّا أَنْشَانَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ}
(القصص: آية 45)
أيْ أنه جاء من بعد سيدنا موسى أقوامٌ وأقوامٌ وأقوام تطاول عليهم العُمُر، وأنهم نسوا حظًا مما ذُكِّروا به، وأنهم نسوا كتاب الله، نسوا التوراة التي أُنزلت على نبيِّهم، إذًا يقتضي الأمر أن يبعث الله عزَّ وجل في كل حِقْبةٍ رسولًا، حينما تضيع معالم الحقيقة، حينما يفرَّغ الدين من مضمونه، حينما يغدو الدين طقوسًا لا معنى لها، حينما تصبح الديانة شيئًا لا مغزى له يأتي نبيٌّ جديد ليجدد لأمتي دينها:
{وَلَكِنَّا أَنْشَانَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا}
معنى {ثَاوِيًا} ، أي مقيمًا.
{فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}
كلمة: {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} ، أي أن إرسال الله الأنبياء والرسل سنةٌ ثابتةٌ من سننه تعالى.
وهناك آيات أُخرى:
{وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ}
(سورة المؤمنون)
{وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}
أي تقتضي رحمة الله عزَّ وجل، وتقتضي عدالته، وتقتضي حكمته، ويقتضي علمه أن يُرسلَ للناس في كل حينٍ رسولًا يرشدهم إلى ربِّهم:
{وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا}
(القصص: آية"46) "
إنها آياتٌ بعضها يأخذ برقاب بعض، بعضها يؤكِّد بعضها الآخر.
إن ما في هذا القرآن من أخبار، ما فيه من قِصَص، ما فيه من حوادث وقعت في الماضي السحيق، في الماضي البعيد، ما كان للنبي عليه الصلاة والسلام أن يَعْرِفها، فطبيعته، وصحراؤه التي عاش فيها، وبيئته التي نشأ فيها، وانقطاعه عن العالم الخارجي، وأُمِّيَتَه، وطبيعة المكان الذي نشأ فيه ما كانت تسمح له أن يطَّلع على هذه الأخبار، هذا غيب الماضي.