كيف خرج منها خائفًا يترَقَّب، فتوجه إلى مدين، وبقي مع سيدنا شُعيب عشر سنوات، وكيف عاد إلى مصر؟ وكيف وهو في طريق العودة ضَلَّ الطريق، واشتدَّ البرد، ولمح عن بعدٍ نارًا، وكيف ذهب ليأخذ قبسًا من هذه النار، أو ليأخذ خبرًا عن الطريق؟ وكيف ناجَّاه الله عزَّ وجل؟ وكيف كلَّفه أن يعود إلى فرعون، وأن يجابهه؟ كلُّ هذه القصَّة تؤَكِّدُ أنه لا إله إلا الله.
فلذلك؛ الحقيقة التي تستنبطها من قصّةٍ، أو من حدثٍ أبلَغُ من الحقيقة النظرية، لأن الحقيقة النظرية تحتاج أنت إلى برهان عليها، أما هذه القصة فمعها برهانُها، فلذلك قيل: السعيدُ من اتعظ بغيره، والشقيُّ لا يتَّعِظُ إلا بنفسه، فلذلك انظر إلى هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم فلم يُعَرِّفوها بربِّها، لم يعرِّفوها بمنهجه، كيف أنهم في آخر العُمر ذابت نفوسهم ألمًا وحسرةً على ما فرَّطوا:
{أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ}
(سورة الزمر)
{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا}
(سورة الفرقان)
هؤلاء الذين أكلوا أموال الناس بالباطل تتبع قصصهم، هؤلاء الذين اعتدوا على أعراض الناس، هؤلاء الذين بنوا مجدهم على أنقاض الناس، هؤلاء الذين بنوا غِناهم على فقر الناس، هؤلاء الذين بنوا أمنهم على خوف الناس، هؤلاء الذين بنوا حياتهم على موت الناس، كل هؤلاء كلهم تتبع أخبارهم تجد أن عاقبتهم وخيمةٌ جدًا.