شيءٌ آخر، هذا الذي يظلم مَن هم فوقه بعدم تقديم النصيحة لهم، والذي يظلم من دونه بعدم رحمته لهم، انظر كيف كانت عاقبته، فهذه الآية دقيقة جدًا، لأن الإنسان حينما يتعَلَّم شيئًا نظريًا، فهذا الشيء النظري ليس مُتأكِّدًا من صحَّته، أما إذا استنبط حقيقةً من موقفٍ عملي فهذه حقيقةٌ مع البرهان عليها، لذلك كانت القصَّةُ ذات أثرٍ بليغٍ في السامع، لأن القصَّة حقيقة، ولكن مع البرهان عليها، فربنا سبحانه وتعالى قد يذكر في القرآن الكريم آيات كثيرة تؤكِّدُ أنه لا إله إلا الله، ولكن يسوق لك قصَّةً طويلة مغزاها:
{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}
(سورة يوسف)
قصَّةُ سيدنا يوسف بأكملها مغزاها أنه لا إله إلا الله، وكذلك قصة سيدنا موسى مع فِرعَون:
{فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}
(القصص)
طفل صغير أُلْقي في اليَم، التقطه آل فرعون، ألقى الله حبه في قلب امرأة فرعون:
{لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا}
(القصص: آية 9)
كيف أن الأمور جرت إلى أن كَبِرَ سيدنا موسى، وتوَرَّط مع قبطيٍ.
{فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ}
(القصص: آية 15)
جاءه من ينصحه.
{وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَاتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ}