هذا الكلام ينقُلنا إلى موقف النبي عليه صلاة الله وسلامه في غار ثور، فقد وضع - صلى الله عليه وسلم - خطةً محكمةً للهجرة، سار مُساحِلًا، وبحث عن خبيرٍ للطريق، واختار ناقةً جيدة، واختار رفيقًا، وعَيَّن شخصًا يمحو الآثار، وشخصًا آخر يَتَّبع الأخبار، وشخصًا ثالثًا يأتي بالزاد، رسم خطةً دقيقةً جدًا، غَطَّى كل شيء، أعطى لكل شيءٍ تقديره، ومع ذلك وصل كفار قريش إلى غار ثور، سيدنا الصديق أصابه خوفٌ شديد، قال: يا رسول الله،
(( لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا ـ فماذا قال عليه الصلاة والسلام ـ قَالَ: مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ) ).
[متفق عليه]
بعد قليل قال الصحابي الجليل سيدنا الصديق: لقد رأونا يا رسول الله قال: يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى:
{وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ}
(الأعراف)
هنا السؤال: لماذا كان النبي عليه صلوات الله مطمئنًا مع أن الخطة كلها انكشفت؟ ما دام كفار قريش وصناديدُهم قد وصلوا إليه، وأصبحوا على مشارف الغار، فخطته لم تنجح، لو أن اعتماده على الخطَّة لأصابه الهلع، ولكنَّ اعتمادَه على الله، وأخذه بالأسباب، وتوكَّله على رب الأرباب حال بينه وبينهم، وكل واحدٍ منا إذا واجه مشكلةً فأخذ لها الأسباب، واعتمد على الأسباب، ثم جاء الخطر فإن قلبه يكاد ينخلِع خوفًا، أما إذا أخذ بالأسباب، واعتمد على الله عزَّ وجل فإنه يطمئن لوعد الله عزَّ وجل ويسْلَم، فسيدنا النبي عليه الصلاة والسلام أخذ بالأسباب وتوكلّ، والله سبحانه وتعالى طمأنه بأنه آمن، والآية الكريمة التي تُؤَكِّدُ أنه معصومٌ من أن يُقتَل، ورغم ذلك أخذ بالأسباب كاملة.
{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}
(المائدة: آية 67)
هذه الآية تؤكد عصمته مِن أن يُقتَل، كذلك سيدنا موسى رسولٌ من أُولي العزم، فحياته مصونة، قال تعالى: