قد تكون عابدًا، فخيرك محدود، نعم خيرك محصور محدود، لا تستطيع إلا أن تنفع نفسك كعابد، أما كعالم فلك أن تنفع الناس جميعًا، ولك أن تُحْيي الناس جميعًا ..
{وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}
(سورة المائدة: الآية 32)
ثمة فرقٌ كبير بين أن تكون عابدًا وأن تكون عالمًا:
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالْآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ ) ).
[الترمذي]
فالطُّموح يجب أن يكون للحكمة، ربنا عزّ وجل يقول:
{خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ}
(سورة البقرة: الآية 63)
من حكمة.
فإذا أردت أن تعلِّم الناس، فإذا بيَّنت لهم مثلًا أن إطلاق البصر للحرام سوف يكلِّف صاحبه ثمنًا باهظًا، فليكن بيانك بمثلٍ من واقع الناس وبحكمة.
وإليكم هذه الواقعة، فأنا أعرف صديقًا لي، وله جار يسكن في بعض أحياء دمشق، وكان لهذا الجار أولادٌ شباب وشابَّات، وقد زوَّج بعض بناته الشابات، له هوايةٌ لا ينفَّكُ عنها طوال سنين، أن يتجوَّل في بعض شوارع المدينة المزدحمة بالنساء الكاسيات العاريات في أيام الصيف، لا يفعل شيئًا إلا أنه ينظر، مهما كان البردُ شديدًا، أو الحر شديدًا فهذا الطريق يمشي فيه ذهابًا وإيابًا كل يوم، ولا يفعل شيئًا، نصحه أصدقاؤه فلم يستجب، إلى أن أُصيب بمرضٍ اسمه ارتخاء الجفون، وهو لم يمت بعد، ولا يستطيع الآن أن يرى إنسانًا إلا إذا أمسك جفنيه بيديه، ورفعهما، فكثيرًا ما يكون الجزاء من جنس العمل، قال تعالى:
{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}
(سورة الشورى: من الآية 40)