بدْءُ الخلق مَظْهرٌ لأسمائِهِ الحُسنى، وإعادة الخَلْق مَظْهرٌ لِعَدالته، أتمنَّى عليكم أنْ تَفْهموا هذه الحقيقة؛ الدُّنيا دار ابتِلاء وليْسَتْ دار جزاء فَيُمكن أن تُبْتَلى بها ويكون لك عند الله تعالى مقامٌ كبير، وقد تُعْطى الدُّنيا لأهل الدنيا، وليس لهم عند الله مِن شأنٍ إطلاقًا، معظم الناس يظنُّون أنَّ الدنيا مِقياس رضاء الله عز وجل، وأنَّ الله أكرمني، وأعطاني، وأخذ بيدِي، إذا كنتَ مستقيمًا على أمر الله فهذا كلّه عطاء صحيح، فإيَّاك أن تفْهم أنَّ الدنيا وحدها مؤشِّر لرِضاء الله عز وجل إطلاقًا، ولكنَّك إذا اسْتخدمتَ الدنيا في مرضاة الله عز وجل تُصبحُ الدنيا مؤشِّرًا لمرضاة الله عز وجل.
الإكرام بعد الطاعة مباشرة والعقاب بعد المخالفة مباشرة يُلغي الاختيار ويحل محله الاضطرار:
قال تعالى:
{فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي (16) كَلا}
(سورة الفجر)
ليس هذا ولا ذاك، وهذا كلامكم، وهذه مَقولتكم، لذا قال تعالى (كَلاَّ) نَفيٌ ورَدْع وزجر، فليس عطائي إكرامًا ولا مَنْعي هوانًا، إنَّما عطائي ابْتِلاء، وحِرْماني دواء، أَتُرَى أنَّ هذا الطِّفل الذي يُحِبُّه أبوه إذا التَهَبَتْ أمعاؤُهُ، ومنعهُ من الطَّعام، أمَنْعُه ابنه من الطَّعام يُعَدُّ إهانةً له؟ لا والله:
(( إن الله ليحمي صفيه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام ) ).
وفي رواية أخرى:
(( إن الله ليحمي صفيه من الدنيا كما يحمي الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة ) ).
[أخرجه البيهقي عن حذيفة بسند فيه ضعف]
فأنت إذًا في دار امْتِحان، وقد تكون مستقيمًا على أمر الله، وقد تأتي الأمور على غير ما تريد، لِيَنظر الله كيف تفْعَل ؟