إذًا: محور القصة أن الملك ليس بشيءٍ إذا قيس مع العلم، لأن العلم يمتد أثره إلى الأبد؛ بينما الملك ينتهي أثره عند الموت، يكفي أن يقف القلب ينتهي الملك، لمجرد أن يتوقَف القلب يُسْلَب الملك، لكن العلم يستمر مع الإنسان إلى أبد الآبدين، مِن هنا فقد أراد الله سبحانه وتعالى من هذه القصة أن إنسانًا ما، إذا آتاه الله قوةً، إذا آتاه الله جاهًا، أو إذا آتاه الله شأنًا، أو آتاه الله منصبًا، أن يجعل قوَّته في سبيل الحق، وفي خدمة الحق، وفي نُصْرَةِ الحق، كما أن المال وهو قوة في الأرض يوظَّف في سبيل الله، وكما أن العلم وهو قوةٌ أخرى يوظَّف في سبيل الله، كذلك القوة والسلطان يمكن أن توظفا في سبيل الحق.
{وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ (20) } .
1 -من لوازم الراعي تفقُّدُ رعيّتِه:
سيدنا سليمان كان حازمًا إلى جانب اليقظة فقام يتفقَّد جنده، وتَفَقُّدَ الشيء من لوازم الحزمِ في الملك، يقابل التفقدَ التسيُّبُ، إما أن تتفقد، وإما أن تُسيب، والتسيب ليس من صفات الأمير الناجح، ولا الملك الحازم، ولا القائد الكفء ..
{وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ (20) } .
بادئَ ذي بَدء حينما قال الله عزَّ وجل:
{وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ (17) }
ليس معنى هذه الآية أن كل الإنس الذين عاصروا هذا النبي الكريم سخروا له، وليس معنى الآية أن كل الجن سُخِّروا له، وليس معنى الآية أن كل الطير سُخر له، سَخَّر له بعض الإنس وبعض الجن وبعض الطير، شيءٌ ثالث: ليس معنى ذلك أن الطير التي سخرها الله له هي كغيرها من الطيور، طيورٌ خاصة عندها قوة إدراكٍ خاصة، عندها تميُّز، عندها حالاتٌ استثنائية لا توجد عند بقيَّةِ الطيور، وسوف ترون معي بعد قليل معنى هذا الكلام ..
{وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ (20) } .