{وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا (15) } .
أنا أريد أن أقف عند كلمة .. آتينا .. إنّ نقطةً من الدم لا يزيد حجمها عن حجم رأس دبوس، إذا تجمَّدت في بعض شرايين المخ يفقد الإنسان ذاكرته كلها، كل معلوماته، ثمانيةً وعشرين عامًا قضاها في التَعَلُّم حتَّى نال أعلى درجة جامعيَّة، يفقدها كلها إذا تجمَّدت نقطة دمٍ في دماغه، يقول لك: فقد ذاكرته، والعلم كله ذاكرة، لو أن هذه النقطة من الدم تجمَّدت في مكانٍ آخر لأخذه أهله إلى المستشفى، مستشفى المجانين، بوساطة، وبترجٍِّ، وبمسعى حثيث، إذًا: إذا سمح الله لك أن تتعلَّم فهذا العلم من الله عزَّ وجل، هو الذي علَّمك، الله عزَّ وجل قال:
{وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113) } .
(سورة النساء)
إذًا: يجب أن نقف عند هذه الكلمة:
{وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا (15) } .
العلم ما علَّمك الله إيَّاه، أمَا الإنسان إذا أُوكِلَ إلى نفسِهِ بأي لحظة يفقد علمه أو يُحال بينه وبين أن يَتَعَلَّم.
الفائدةُ مِن تنكير كلمة (علمًا) :
الشيء الآخر: كلمة"علمًا"، هذه جاءت نكرة، لم يقل: ولقد آتينا داود وسليمان العِلْمَ، العلم (معرَّفة) ، وكأنه علمٌ معيَّن، أما (علمًا) فنكرة، فهذا التنكير عند علماء البلاغة تنكير التعظيم.
شيءٌ آخر، هناك شيء قبل أن أنتقل إلى الفقرة الثانية.
{وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا (15) } .
كلمة علمًا هذه جاءت مُطْلَقَة، ومعنى ذلك أن العلم على إطلاقه ثمين، لقول الله عزَّ وجل:
{هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} .
(سورة الزمر: من الآية 9)