شيءٌ آخر، لماذا أصابه الخوف؟ النبي عليه الصلاة والسلام بَلَغَ الدرجة المُثْلى في الكمالات البشرية، والله سبحانه وتعالى كان من الممكن أن يلقى على قلبه السكينة، ولكن أصابه الخوف ليكون الوحي شيئًا منفصلًا عن كيان النبي عليه الصلاة والسلام، منفصلًا عن كيانه وعن إرادته، ليس بإمكانه جذبه ولا بإمكانه ردَّه، هذه النقطة الثانية، والثالثة ليس بإمكانه رده فأصابه الخوف، وليس بإمكانه جَذْبُهُ، هذا يعبِّر عنه انقطاع الوحي، فيجب أن تعلم أن الوحي شيءٌ منفصلٌ تمام الانفصال عن كيان النبي عليه الصلاة والسلام، أي إن إعلام السماء إلى الأرض كان وصيًا، إلقاء المنهج من عند الله إلى سيد الخلق كذلك كان وصيًا.
وقصة سيدنا موسى وردت في القرآن كما كنت قد قلت لكم من قبل سبعَ عشرة مرة، بل هذه القصة وردت أكثر من ثلاثٍ وعشرين مرة، وهي قصة طويلة، وفي كل مرة تسلَّط الأضواء على بعض فقراتها، أو على مرحلةٍ أساسيةٍ من مراحلها، نحن الآن في وصفٍ دقيقٍ لتكليم الله لسيدنا موسى:
{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) } .
(سورة النساء)
في سورةٍ أخرى يبدو أن التكليم كان من عند الشجرة المباركة، وقيل: إن حول هذه الشجرة بدا من بعيد نورٌ ساطع، ظنه سيدنا موسى نارًا، إنه نور، ووسط نور هذه الشجرة التي كان التكليم من ورائها، طبعًا في سورة أخرى قال تعالى:
{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) } .
(سورة طه)
وهنا في سورة النمل: