إذًا فالرَحيم هو الذي يُعطي، والذي يُسْعِد، والذي يرْحم، والذي يُخَفِّفُ المتاعب، والذي يُزيل المصائب، والذي يُبْعِدُ الخوف والقلق، إن صفة العزيز تنتزِعُ إعْجابهُ، وصفة الرحيم تنتزعُ محبة قلبك، إنَك تُعَظِم الله بالقَدْر الذي تُحِبُّه، الإنسان في الدنيا أحيانًا يُحِبُّ مخلوقًا ولا يُعْجَبُ به، أو يُعْجَبُ بمَخلوقٍ ولا يُحِبُه، قد تلتقي بِمُدرِّسٍ ذكيّ جدًا، مُطَّلِعٍ خبير وضليعٍ في اخْتِصاصه، يتَّقد ذكاءً ولكنَّه قاسٍ في المعاملة؛ إنَّك تُعْجَبُ به ولكنك تُحِبُّه، وقد تلتقي بإنسان لطيفٍ وديعٍ لكنَّه في مجال اطِّلاعه على العلوم مُقَصِّر كثيرًا فأنت تُحِبُّه ولا تُعْجَبُ به، ولكنَ الله تعالى حينما حدَّثنا عن ذاته العظيمة قال تعالى:
{تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ}
(سورة الرحمن)
أنت تُجِلُّه وتكرم به، فالإجلال ينتزِعُ إعجابك، والإكرام ينتزعُ محبَّتك فتُجِلُّهُ وتُحِبُّه، لذلك ربنا عز وجل من أسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى اخْتار هذين الاسْمَين؛ العزيز الرحيم ..
{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ}
العزيز الفرْد الصَّمَد، الذي لا مثيل له، والحوائج كلّها إليه، وبيَدِهِ كلّ شيء ولا يستطيعُ أحدٌ أن يصل إليه، هذا الشَّرح لهذا الاسم ينْتزِعُ كلّ إعجابك، وكلّ تقديرك، ولكنَ الرّحيم ينْتزِعُ كلّ محبَّتِك، يرْحمك وأنت جنين في رحمِ أُمِّك، ويرحمك بأن خلق لك أُمًّا وأبًا، قال تعالى:
{وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي}
(سورة طه: من آية"39")
اُنظر إلى الأُمَّهات والآباء؛ حياتهم كلّها، ووقتهم كله، وتِجارتهم وسَعيُهم، وهواجسهم وخواطرهم، وهمومهم من أجل أولادهم. كيف رحِمَ الله عبيده؟ بهذه الطريقة؛ جعلَ الأمّ والأب رمْز حنان الله عز وجل ورحمته، لذلك قوله تعالى:
{وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي}