إذا كنتَ في برْدٍ شديد ودخلْت غرفةً دافئةً شعرْتَ بالدِّفْء يسْري في عُروقِك، فالدِّفْءُ رحمة، وإذا كنت في حرّ شديد، ودخلْتَ غرْفةً مُكَيَّفةً، وشعرْت بالبرودة تسْري في أوْصالك فالبرودة رحمة، وإذا كنت في جوعٍ شديد، وأكلْتَ طعامًا شهيًا، وشبِعْتَ، وسَكَنَتْ جوارحُك بهذا الطَّعام، فهذا الطَعام رحمة، وإذا كنتَ في عطشٍ شديد يكاد الإنسان يأكل الثرى من هذا العطش، وشرب ماءً فراتًا عذْبًا باردًا وشعر بالريّ فهذا الريّ رحمة.
وإذا كان الإنسان وحيدًا لا أسرة له، وأكْرمَهُ الله بِزَوجة صالحة سكَنَ إليها؛ فهذه الزوجة رحمة، وإذا وهبَهُ الله طِفْلًا صغيرًا كان قرّة عينٍ له، فهذا الطِّفل رحمة، إذا رزقَهُ عملًا مُريحًا يدر عليه رزقًا معقولًا يكفي حاجاته من دون أن يُنافق، ومن دون أن يبذل ماء وجهه فهذا الرِّزق رحمة، فأيّ شيءٍ تسْعَدُ به في الدنيا هو من رحمة الله عز وجل، ومن رحمة الله بك في الدنيا، وأمّا رحمة الله في الآخرة، أن يأتي ملكُ الموت بِشَكل أحبّ الناس إلى الإنسان، ثم إذا انتَقَلَ من دار الدنيا إلى الدار الآخرة من دون خوفٍ ولا وجل، ومن دون اضْطراب، فهذه النَقلة رحمة، وإذا اتَّسَعَ القبر فصار فسيحًا وروضةً من رياض الجنَة، فهذا القبر رحمة، وإلا قطَع الإنسان الصِّراط المستقيم سريعًا من دون وجل ولا خوف أو عُسْرٍ فهذا رحمة، فأيّ شيءٍ يُسْعِدُك هو رحمة.