والشَطْر الثالث في التَوَكّل هو العمل، ربّنا عز وجل خَلَقَ الكون وخلقهُ وفْق سُنَن دقيقة، وأيْضًا أشار في كتابه إلى سنن أخرى في التعامل مع عباده، فَمِن لوازم العبودِيَّة لله عز وجل أن تتأدَّب مع هذه السُّنَن، الله سبحانه وتعالى جعل لكل شيءٍ سببًا، وجعل لكلّ هدفٍ طريقًا، وجعل لكلّ غايةٍ وسيلةً، وجعل لكلّ شيءٍ خِطَّةً، فأنت حينما تكون عبْدًا لله عز وجل حقًّا تأخذ بهذه الأسباب، وتأخذ بهذه الوسائل، وتحترم هذه السُّنن وتُطَبِّقها، لذلك كما قال العلماء: لا يتناقض التَّوَكُّل مع الأخذ بالأسباب بل إنَّ الأصحّ مِن هذا أنَّ الأخْذ بالأسباب من لوازم التَّوَكّل، ما من طريقٍ يرفعُ المسلمين، ويجعلهم قادةً في الأرض إلا أن يأخذوا بهذا المعنى؛ التَوَكّل محَلُّهُ القلب، والجوارح محلّها السَّعي، فإذا نقلْتَ التَّوكّل من القلب إلى الجوارح فقد قعدْت عن الأخذ بالأسباب، وأكلَ قلبَك الخوف، وهذا ما يقعُ عند الناس، هناك كسلٌ، وهناك التِباس بين التَّوَكّل وبين القعود، أو بين التَّوكّل والتَّواكُل! فالذي يجب أن نعلمَهُ عِلْم يقين أنَّ التَّوكّل عِلمٌ وحال وعمل، كالتوبة تمامًا، علم من أجل أن تعرف الله، وحالٌ وهو الشُّعور بالأمْن والطمأنينة، والسّكينة وهذا من ثِمار التَّوكّل والأخذ بالأسباب في كلّ حقل من حقول الحياة؛ في عملك، وفي الطريق إلى الله.
فهذا الذي يقول: نحن عبيد إحسان، ولسْنا عبيد امتحان! هذا الذي يرْجو الجنَة من دون عمل، وهذا الذي لا يُقدِم شيئًا للمجتمع، يكتفي أن يقول: سبحان الله، وربّ اغْفر لي ذنوبي! نقول له: ماذا قدَّمْت؟ وماذا فعلْت؟ ولماذا أنت في الدنيا؟ الإنسان بلا عمل لا قيمة له، وقيمة المرء ما يُحْسِنُهُ، بل إنَّ العمل الصالح هو الذي يُحدِّد مكانتك عند الله عز وجل والدليل قوله تعالى:
{وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا}