إذًا لقد أردتُ من هذا الكلام أن أقول لكم: إنَّ التَّوَكُّل لا يكون، ولا يصحّ إلا إذا عرفْت الله عز وجل، تتوكَّلُ على مَن؟ على العزيز الرحيم وعلى الخَلاَّق العليم، وعلى مَن بِيَدِهِ كلّ شيء، وعلى القويّ، وعلى القادر، وعلى الغني، والسميع، وعلى البصير، إذًا فلا بدّ من معرفة الله عز وجل، وقد قيل: أصل الدِّين معرفة الله، والذي جاء النبيَّ عليه الصلاة والسلام وقال له:"جئْتُكَ لِتُعَلِمني من غرائب العِلم !"فقال عليه الصلاة والسلام:
(( فماذا صَنَعْت في أصل العلم؟ هل عرفْت الربّ؟ ) ).
(ورد في الأثر)
هناك في الدِّّين شيءٌ ليس ظاهرًا ظُهورًا صارخًا، كالبناء الشامخ، بناءٌ مؤلَّف من طوابق عديدة، إنَّ في هذا البناء شيئًا أساسيًّا خطيرًا جدًا، هو الأساس فالأساس تحت الأرض، والذي يبْدو لك هذه الطَّوابق، ولو لم يكن هناك أساس مكين لانْهار البناء، لذلك فالإنسان إن لم يعرف الله حقَّ المعرفة فشَهْوَةٌ صغيرة تُفْسِدُ أخلاقه، وتحت تأثير أيّ ضغط قليل يخرج عن اسْتِقامته، فهو مُعَرّض لإغراءٍ أو لِضَغْطٍ، فالإغْراء جاذب، والضَّغط مانِع، فحياة الإنسان مَشْحونة بالضُّغوط والمُغْرِيات، فما لم يكن هناك إيمان كبير بالله عز وجل أساسه البحث والتَّدقيق والمعرفة والتَّفَكُّر والتَأمّل والدَّرس، ما لم يكن هناك إيمان قويّ فإنَّ الإنسان ينْهار لِضَغْط يسير، أو لإغراءٍ قليل! وعندها يفْقد إيمانه، وقد وصف عليه الصلاة والسلام إيمان الناس في آخر الزمان فقال:
(( يصبح الرجل مؤمنا، ويمسي كافرًًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا ) ).
(الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة)
السور المكية دعوة إلى التفكر والتأمل: