هذا مثلًا، لو أنَ طالبًا ذهب إلى بلدٍ أجنبي لِيَدْرس، وقد أرسل هذا الطالب بحيث لو نال هذه الشهادة فلهُ في بلدهِ أعلى منصب، وميزة، فذهبَ للدِّراسة، وهو مضْطرّ لِيَعمل ويدْرس، فإذا كان يكفيه ألف فرنك فرضًا، وهناك عمل بِساعَتين، وأجرة هذا العمل ألف فرنك، ووجدَ عملًا ثلاث ساعات بألف وخمسمئة فطَمِعَ في المبلغ، ووجد عملًا آخر لمدة أربع ساعات بألفين! إلى أن بلغ العشرة آلاف فرضًا في اليوم، فإذا امْتصَّ عملهُ كلّ وقْته، وضيَعَ دِراستَهُ، ونَسِيَ مهمَّتهُ، ونسِيَ البعثة والدِّراسة ونسي آماله العريضة فهل هذا العمل الذي درَّ عليه مبلغًا كبيرًا في مصلحته؟ لا لم يكن في مصلحته! أنا أقول لكم: أيّ عملٍ مهما علا شأنهُ، ومهما كثُرَ دخْلُهُ، ومهما رفعَ صاحِبَهُ إذا امْتصَّ وقْتَكَ كلَّهُ فأنت أكبر خاسِر، إنَّك مخلوقٌ في هذه الدُنيا من أجل أن تعرف الله سبحانه وتعالى، لأنّك إذا عرفْتهُ صحَّ عملك، وإذا عرفْتهُ عبدْتَهُ، وإذا عبدْتهُ سَعِدْتَ بِقُرْبِهِ في الدنيا والآخرة، لا يصحّ العمل إلا بالمعرفة، وهذه نقطة مهمّة جدًّا، العمل أساس التَّصوّر، وأيّ عمل صالح أو طالح، حقير أو خطير، مُجدٍ أو غير مجدٍ، سيّئ أو جيّد، العمل أساسه التَّصَوّر هذا الذي يسرق لماذا يسرق؟ لأنّهُ يتصوَّر أنَّ السرقة عملٌ يعود عليه بالنَّفْع، دَخْلٌ كبير، وجُهْد قليل، وهذا الذي يكذب لماذا يكذب؟ وهذا الذي يزني لماذا يزْني؟ وهذا الذي يأكل الرِّبا لِمَ يأكل الربا؟ ما من إنسان يعمل عملًا إلا وقبل هذا العمل تَصَوّر لهذا العمل انطلق منه.
صحةُ العمل مِن صحة التصور: