أرقى من هاتين المرتبتين، هي ورع المتقين: التقي يمتنع عن الحرام أصلًا، وعن الشبهات أصلًا، ويمتنع عن بعض الحلال مخافة أن يصل به إلى الحرام، هذا الذي عناه النبي عليه الصلاة والسلام، فَعَنْ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ الْبَأْسُ ) ).
(أخرجه الترمذي) .
فالانغماس في المباحات قد يجر إلى بعض المعاصي، وقد يجر إلى ترك مجالس العلم، الانغماس في الشيء الذي أحله الله عز وجل، والمبالغة به، قد يجر إلى حب الدنيا، وإلى الطمأنينة لها، فالتقيُّ لا يدع الحرام فقط كالعدل، ولا يدع الشبهة فقط كالصالح، ولكن يدع الحرام، ويدع الشبهة، ويدع المباحة، ليس كل المباح، يدع بعض المباح مخافة أن يصل به هذا المباح إلى محرم، لذلك صحَّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمَّا بَعَثَ بِهِ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ:
(( إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ ) ).
(أخرجه أحمد) .