فهرس الكتاب

الصفحة 12267 من 22028

أنواع العصاة أمام المعاصي:

1 -العصاة الجهّال:

أول نوع من العصاة هؤلاء هم الجهال ينطلقون إلى المعاصي كما ينطلق الجائع إلى الطعام، لا يفرقون بين طعام حلال، أو طعام حرام، طعام طيب، وطعام سيئ، طعام يجوز أكله، طعام لا يجوز أكله، إنسان جائع ينطلق إلى طعامه، من دون أي اعتبارٍ آخر، قال العلماء هؤلاء هم الجهال، وهؤلاء يشبهون في انطلاقهم إلى الشهوات، وإلى المعاصي، الحيوانات، الحيوان ركب من شهوة فقط، فحيثما وجدت بغيته من طعام، أو شراب، أو لذة انطلق إليها وكفى، فالذي ينطق إلى المعصية من دون توقف، من دون تبصر، من دون سؤال من دون تأمل، من دون أن يسأل نفسه، هل هذه معصية، ما نوع هذه المعصية؟ هل ترضي الله؟ هل يرضي الله أن أعصيه، أو لا يرضيه، هذا الذي لا يعبأ، ولا يفكر في خالقه، ولا في نوع عمله، ولا في مؤدى معصيته، هذا إنسان مستواه في مستوى البهيمة.

بالمناسبة هناك موضوع دقيق جدًا، الإنسان ما الذي يحركه؟ أنت تتحرك نحو أشياء ترغب بها أو تحبها، ما الذي يجعلك تتحرك نحوها هو شيء واحد، هو أنك تملك تصورًا في ذهنك حول هذا الشيء إذا تصورت أن أخذ هذا المال بشكل غير مشروع، يعد ذكاءً، ويعد مكسبًا، ويعد غنيمةً، ويعد مردودًا كبيرًا بجهد قليل، إذا تصورت هذا فعلت هذه المعصية، هذا التصور الفاسد، فالإنسان دائما، الذي يدفعه إلى السرقة، أو يدفعه إلى أكل المال الحرام، أو إلى كسب أموال بالباطل، أو إلى أكل أموال الناس بالباطل، سوء تصوره للمال، المال له طريق مشروع نأخذه، وهناك طريق غير مشروع، إذًا الموضوع هو أن الذي يجعلك تتحرك حركة صحيحة، صحة التصور، والذي يجعلك تتحرك تحركًا مغلوطًا خطيرًا، هو سوء التصور، أضرب على هذا مثلًا.

يوجد في السيارة مصباح أحمر اللون، إذا تألق معنى ذلك أن الزيت في المحرك قد قل عن المستوى الضروري، يجب أن تقف فورًا، وأن تضيف الزيت إلى المحرك، إذا تصورت أن هذا المصباح عندما يتألق، إنما يتألق من أجل أن يسليك في الطريق، هذا التصور ينتهي بك إلى إتلاف محرك السيارة، الذي يملك تصورًا صحيحًا لسبب تألق هذا المصباح الأحمر هو الذي يصون محركه، والذي لا يملك هذا التصور الصحيح هو الذي يتلفه.

إذًا ما الذي يجعلك تنطلق نحو الأهداف الصحيحة، وفق الوسائل الصحيحة؟ هو أن تملك تصورات علمية ما هو العلم؟ العلم؛ علاقة ثابتة بين شيئين، مقطوع بصحتها، عليها دليل تطابق الواقع، أي شيء خالف الواقع يسميه العلماء الجهل، الجهل ما خالف الواقع، فإذًا كل تصورتك من أجل ألا تكون موصوفة بالجهل يجب أن تكون واقعية بكسب المال، بإنفاق المال، بالنظر في الطريق، في علاقتك مع الجار، أحيانًا تكون علاقتك معه أنت أقوى منه، فتشعر أن قوتك تدعوك لتأخذ ما ليس لك، وأن هذا من قبيل المكان العلية في الحي، أنت إنسان قوي، وها قد أخذت شيئًا ليس لك، هذا التصور المغلوط يدفعك إلى المعصية، والمعصية تستوجب المعاقبة، إذًا الذي يدفعك، ويحركك نحو العمل الصحيح التصور الصحيح، في كسب المال، في إنفاق المال في علاقاتك بالنساء، علاقاتك بالجيران، علاقاتك بالزبائن، علاقاتك بكل إنسان، فالجهل تصور مخالف للواقع.

الحقيقة العلمية التي هي علاقة بين شيئين يجب أن تكون قطعية، فإن لم تكن قطعية فهذا هو الشك، والشك خمسون بخمسين، والوهم ثلاثون بسبعين، والظن سبعون بثلاثين، يعني أنت إذا لست متأكدًا، الحقيقة لما الإنسان يكون مترددًا، في قبول فكرة هذا التردد يمنعه من أن يأخذ بها، يجب أن تكون تصوراتك للأشياء أولًا: مطابقة للواقع ثانيًا: مقطوع بصحتها، ثالثًا: توافق المنطق، رابعًا: عليها دليل.

إذا أردت أن تجعل كل تفكيرك ومعارفك، ومعتقداتك، وقيمك من هذا النوع، فإن هذا الموقف العلمي يقودك شيئًا فشيئًا إلى التصرف الصحيح، ومن هنا فسر العلماء قوله تعالى:

(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)

(سورة فاطر: 28) .

لو أنك اطلعت على ما في الجراثيم من أمراض خطيرة، واطلعت على طرق العدوى، إذا اطلعت على هذه المعلومات اطلاعًا صحيحًا، فإن هذا يدفعك إلى أن تنظف الأشياء تنظيفًا تامًا، وأن تعقمها، فالسلوك الصحيح أساسه معتقد صحيح، الآن في عندنا قاعدة، العقيدة الصحيحة لا بد أن تثمر عملًا صحيحًا، والعقيدة الزائغة لا بد أن تثمر عمل منحرفًا، فهناك علاقة ترابطية بين صحة المعتقد، وبين صحة العمل، هذه علاقة ترابطية، أي خلل في العقيدة، ينتج عنه خلل في السلوك، أي خلل في السلوك أساسه خلل في العقيدة:

(أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّين*فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ)

(سورة الماعون: 1 ـ 2) .

هو نفسه،

(فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ)

(سورة القصص: 50) .

العصاة من الدرجة الأولى، هؤلاء مشهدهم للمعصية مشهد الشهوة الحيوانية، هؤلاء ينطلقون إلى المعاصي من دون قيد أو شرط من دون توقف، من دون تريث، من دون تأمل، من دون مراجعة، من دون معاتبة، من دون محاسبة، هؤلاء هم أخطر نوع من العصاة لا يزال الله عز وجل يمدهم حتى يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، من هنا تأتي بعض المصائب، مصائب قصمٍ، يعني هذا أعماله كلها سيئة يعيش ليقتنص الملذات، يعيش ليأكل، يعيش ليستمتع، بشكل صحيح أو غير صحيح، مقبول أو غير مقبول، من شيء مشروع أو غير مشروع، هذه الدرجة الأولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت